الصفحة 148 من 474

وهنا أيضا لابد أن نلاحظ سياسة بريطانيا الجزرية: فقد كان محورها دائما أن تترك القوى الأخرى على القارة تتصارع، وأن تغدي هذا الصراع حتى تضعف جميعا. فتتقدم هي لترثها وهي بمنأى في جزيرتها عن خطر الصراع نفسه. وفي نفس الوقت كان توازن القوى على القارة هدفها الآخر. فكانت تعمل على ألا تسود قوة واحدة كبرى في القارة. ولهذا كانت الحليف التقليدي للقوى الصغيرة التي سبق أن عادتها وساهمت في انحدارها، وذلك ضد القوى الكبرى الجديدة. هكذا وقفت مع البرتغال ضد إسبانيا، ثم مع هولندا ضد فرنسا، ثم كما سنرى فيها بعد مع فرنسا ضد ألمانيا. فهي عدوة القوى الذي قد يهددها، وحليفة الضعيف الذي لا يهددها. ولعل هذا هو ما أكسبها التسمية غير الأثيرة و بألبيون الغادر perfidious Albion:.

الصراع البريطاني - الفرنسي هكذا إذن لم يبق إلا فرنسا والقرن الثامن عشر. ورغم سيطرة فرنسا الواضحة في القارة فإنها لم تستطع أن تمتع بريطانيا من الانطلاق نحو السيادة على البحار واحتكار التجارة المحيطية والتوسع الاستعاري. وقد بدأت بريطانيا بتحالفها مع عدوها السابق المهزوم هولندا ضد القوة السائدة الجديدة فرنسا. ثم أصبح القرن قرن الصراع بين بريطانيا وفرنسا. وكان الفارق الرئيسي أن فرنسا مرتبطة في صراعاتها بالقارة ولها جيتان برية وبحرية، بينا لبريطانيا جبهة واحدة بحرية

من هنا كانت الأولى مضطرة إلى الاحتفاظ بجيش بري ضخم، وتهمل الأسطول عمدا وبالضرورة، بينما كان جيش بريطانيا البرى دائما رمزيا ولم تحاول قط أن تنافس فرنسا على البر: والقوة كلها للأسطول. ولذا فما دامت بريطانيا قادرة على منع غزوها بحرا، فلا قيمة لضخامة جيوش فرنسا ضدها. بينا على العكس: مادامت فرنسا أضعف في البحر فأمام بريطانيا الفرصة لضرها في مستعمراتها عبر البحار وانتزاعها منها. أي أن وجود حدود برية لفرنسا كان جديرا في النهاية بأن يكلفها ضياع إمبراطوريتها الاستعمارية، بينما كان تحرر بريطانيا من الحدود البرية كفيلا بأن يمنحها إمبراطورية استعمارية كاملة. وهكذا بالفعل كان.

فمن ناحية لم تستطع فرنسا أن تضرب بريطانيا في جزيرتها. والواقع أن أحدا لم يستطع أن يغزوها منذ الفتح النورماندي حتى يومنا هذا. فقد كان الأسطول كفيلا بقطع الطريق على أية محاولة كهذه، ولقد تحدت فرنسا - ومعها إسبانيا - قوة بريطانيا البحرية مرات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت