الصفحة 116 من 474

إلا أن كشف النورس جاء موء ودا من البداية لأنه انتهى إلى نهاية اللامعمور، أما الفتية فلم يعودوا، والكشف الصيني إن صح لا أثر تاريخي له. وهكذا قدر لإسبانيا أن تكشف أمريكا، وقدر للأطلسي أن يخترق لا من حيث يضيق إلى أدناه في الشمال ولكن من حيث يتسع إلى أقصاه في الوسط. وقد لعبت الرياح دورا هاما في توجيه وتوقيع الكشوف الإسبانية والاستعمار الإسباني بعدها. فقد اتخذت رحلة الذهاب مسارا متعمقا نحو الجنوب حتى تحملها الرياح التجارية الشمالية الشرقية الدائمة، مما أنتهي بکولمبس إلى جزر الهند و الغربية، وأمريكا الوسطى. هذا بينما كانت رحلة العودة تأخذ مسارا أكثر شمالية بكثير لتفيد من الرياح العكسية الغربية.

ورغم أن كولمبس لم يعرف قط أن هناك و آمريکا شمالية، فالمهم أن جزر الهند الغربية كانت أول ما وطئ الإسبان، فكانت تصغرها وتفتها فريسة سهلة لهم ومن ثم، شأن كل الجزر الساحلية المائلة، خشبة قفز مثالية على القارة - وستكون بالمثل آخر ما يغادرون من العالم الجديد. ومن أمريكا الوسطى توسع الإسبان بعد ذلك شمالا عبر هضبة المكسيك، وفيما بعد وصلوا إلى فلوريدا وكاليفورنيا. ومن أمريكا الوسطى أيضا عبروا برزخ بنا إلى الهادي و نمددوا على طول ساحل أمريكا الجنوبية الغربي ومنه دلفوا إلى نطاق مرتفعاتها الغربية، إلا أنهم أهملوا شرق أمريكا الجنوبية المنخفض كما لم يهتموا إلا متأخرا بالأرجنتين. وبهذا يرسم تقدمهم في أمريكا الجنوبية قوسا هلاليا عكس عقارب الساعة، يبدأ من جزر الهند ثم يتبع المرتفعات الغربية إلى أن ينتهي في سهول الأرجنتين.

وقد تم ذلك جميعا أو تقريبا قبل أن ينتصف القرن السادس عشر، بل الواقع أن الهيكل الأساسي لكل الإمبراطورية الإسبانية في أمريكا اللاتينية تم وضعه في ربع قرن فقط. وهو معدل مذهل، لا سها إذا عرفتا أن إسبانيا حينئذ لم تكن تتعدى 6 ملايين نسمة، مقابل 12 مليونا من الهنود الحمر. وفي أوج الاستعمار الإسباني لم تقل المساحيدي خضعت له صف العالم الجديد مرهتلم تزحف نحو الثلثين، وذاك يعادل مساحة الوطن عشرات المرات! >

كيف نفسر هذا؟ - بالفارق الحضاري والحربي بين الغزاة والوطنيين أولا: أي بين البارود والمدفعية والفروسية وبين أسلحة المشاة البدائية. ولكن هناك أيضا العامل الجغرافي، فإن هناك تشابها طبيعيا ومناخيا كبيرا بين هضاب أمريكا وهضبة المزينا في الوطن، وكان هذا مما سهل عملية الانتشار وسرعة التمدد. ونفس هذا العامل الطبيعي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت