الصفحة 172 من 222

أمر الخلافة 1 المجردة عن السلطة بكمال الارتياح والاحترام ثم ما انقضت سنة حتى انتهكوا حرمته وبدلوا بها الاحتقار والاستهانة، وكان هذا التبديل بلا سبب حدث من عبد المجيد، وكل ما ذكرنا وعددنا معلوم العامة المسلمين جرى تجاه أعينهم ولكنهم ما فكروا في علل هذه الأمور الغريبة التي يناقض بعضها بعضا وكلها معلوم بمقتضى العقل والشرع، وإن انقسموا بلقائها إلى منکر محل ومحبذ متأول. وليس مرمى الكماليين فيما فعلوه سوي غرضين، أحدهما: نشل السلطة من آل عثمان و نقلها إلى مصطفي کمال، والتفريق بين الخلافة والسلطة ثم نقل السلطة أولا إلى المجلس الوطني، كان عبارة عن التستر والإمام في المغزى والمرام. والغرض الثاني إلغاء الخلافة وإبطالها على التدريج، ورمي لإخراج حکومتهم من أن تكون حكومة إسلامية، إذ لابد لكل فعل صدر من فرد عاقل أو هيئة عاقلة من حكمة ومصلحة تترتب عليه، دينية أو دنيوية، ولن يستطيع ناصر الكماليين و متأول فعاهم أن يذكر لهذا الصنيع -أي: التفريق بين الخلافة والسلطة - شيئا من الحكمتين والمصلحتين اللهم إلا أن يتكلم في عقولهم، أو يكون ما ذكره حكومة ومصلحة لا دينية. وبين المصلحة الدنيوية والمصلحة اللادينية بون شاسع، ففي المصلحة الأولى مجرد قطع النظر عن الدين، وفي الثانية جعل اللادينية نصب العين.

وهذه المصلحة اللادينية التي لا تحمل الحادثة الفصل بين الخلافة والسلطة سواها، تحتاج إلى شيء من التبيين، وهو أن الاتحاديين الذين لا يجوز عد الكماليين غيرهم عند من عرفهما وعرف اتفاقهما في حب رجال و بغض آخرين من أبناء الوطن، مازال يتعذر عليهم التأليف بين الدستور الذي أعلن قبل هذا وبين الشرع

(1) بعد نفي السلطان وحيد الدين، نودي بابن أخيه(عبد المجيد خليفة للمسلمين، خليفة فقط

لا سلطانا، خليفة بحردا من كل سلطان و نفوذ. السابق ص 195)وربما يقصد بانتهاك حرمته ما قرره مصطفي کمال من أمره إلى حاكم إستانبول بوجوب إلغاء مظاهرة الأمة التي تحيط بموكب الخليفة أثناء تأدية الصلاة، كما خفض مرتبه إلى الحد الأدنى وأنذر أتباعه بوجوب التخلي عنه حيث لا ينبغي إن يبقى في القسطنطينية) رئيس ديني يتحدى حكومة (أنقرة) . وفي الثالث من شهر مارس سنة 1954 م تقدم أتاتورك إلى الجمعية. مرسوم يقضي بإلغاء الخلافة وطرد الخليفة وفصل الدين عن الدولة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت