الصفحة 19 من 104

ومن كرَّر النظر إلى الأمرد ونحوه وقال: لا أنظُرُ بشهوة كَذَب في دعواه، ومتى كان مع النظر شهوة كان حرامًا بلا ريب، سواء كانت شهوةَ تمتع بالنظر، أو كانت نظرًا بشهوة الوطء. واللمسُ كالنظر وأولى.

قلت: لا ريب أن اللمس أقوى من النظر في إثارةِ الشهوة والدعاء إلى الفتنة، وعلى هذا فهو أَولى بالتحريم من النظر.

قال المرداوي: وهذا هو الصواب بلا شك، وقطَعَ به في الرعايتين والحاوي الصغير.

وقال شيخ الإسلام أبو العباس في موضع آخر: النظرُ إلى وجه الأمرد بشهوة كالنظر إلى وجهِ ذواتِ المحارم والمرأةِ الأجنبية بالشهوة، سواء كانت الشهوة شهوةَ الوطء، أو كانت شهوة التلذذ بالنظر، فلو نظر إلى أمه وأخته وابنته يتلذذ بالنظر إليها كما يتلذذ بالنظر إلى وجه المرأة الأجنبية: كان معلومًا لكل أحد أنَّ هذا حرام، فكذلك النظرُ إلى وجه الأمرد باتفاق الأئمة.

والله سبحانه وتعالى قد أمَرَ في كتابه بغَضِّ البصر، وهو نوعان: غض البصر عن العورة، وغضها عن محل الشهوة، فالأول كغض الرجل بصرَه عن عورة غيره، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «لا ينَظُرُ الرجلُ إلى عورة الرجل ولا المرأة إلى عورة المرأة» .

ويجب على الإنسان أن يستر عورته، ويجوز كشفها بقدر الحاجة كما تُكشَفُ عند التخلي.

وأما النوع الثاني من النظر: كالنظَر إلى الزينة الباطنة من المرأة الأجنبية فهذا أشد من الأوَّل، كما أن الخمر أشد من الميتة والدم ولحم الخنزير، وعلى صاحبها الحدُّ، وتلك المحرَّمات إذا تناولها الإنسان غير مستحل لها كان عليه التعزير، لأن هذه المحرمات لا تشتهيها النفوس كما تُشتَهى الخمر، وكذلك النظر إلى عورة الرجل لا يُشتَهَى كما يُشتَهى النظر إلى النساء ونحوِهن، وكذلك النظر إلى الأمرد بشهوة هو من هذا الباب.

وقد اتفق العلماء على تحريم ذلك، كما اتفقوا على تحريم النظر إلى الأجنبية وذوات المحارم بشهوة.

والنظر إلى المردان ثلاثة أقسام، أحدها ما تقترن به الشهوة فهو محرم بالاتفاق.

والثاني ما يُجزَم أنه لا شهوة معه كنظر الرجل الوَرِع إلى ابنه الحسن وابنته الحسنة وأمه الحسنة، فهذا لا تَقترن به شهوة إلا أن يكون الرجل من أفجر الناس؛ ومتى اقتَرن به الشهوة حَرُم، وعلى هذا نظَرُ من لا يميل قلبه إلى المردان، كما كان الصحابة رضي الله عنهم، وكالأُمم الذين لا يعرفون هذه الفاحشة، فإن الواحد من هؤلآء لا يُفرِّق من هذا الوجه بين نظره إلى ابنه وابن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت