سُلْطَانًا، وَإِنَّ اللهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ، فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ، إِلاَّ بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَقَالَ: إِنَّمَا بَعَثْتُكَ لأَبْتَلِيَكَ وَأَبْتَلِيَ بِكَ، وَأَنْزَلْتُ عَلَيْكَ كِتَابًا لاَ يَغْسِلُهُ الْمَاءُ، تَقْرَؤُهُ نَائِمًا وَيَقْظَانَ، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ أُحَرِّقَ قُرَيْشًا، فَقُلْتُ: رَبِّ إِذًا يَثْلَغُوا رَأْسِي فَيَدَعُوهُ خُبْزَةً، قَالَ: اسْتَخْرِجْهُمْ كَمَا اسْتَخْرَجُوكَ، وَاغْزُهُمْ نُغْزِكَ، وَأَنْفِقْ فَسَنُنْفِقَ عَلَيْكَ، وَابْعَثْ جَيْشًا نَبْعَثْ خَمْسَةً مِثْلَهُ، وَقَاتِلْ بِمَنْ أَطَاعَكَ مَنْ عَصَاكَ، قَالَ: وَأَهْلُ الْجَنَّةِ ثَلاَثَةٌ: ذُو سُلْطَانٍ مُقْسِطٌ، مُتَصَدِّقٌ، مُوَفَّقٌ، وَرَجُلٌ رَحِيمٌ، رَقِيقُ الْقَلْبِ لِكُلِّ ذِي قُرْبَى، وَمُسْلِمٍ، وَعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ، ذُو عِيَالٍ، قَالَ: وَأَهْلُ النَّارِ خَمْسَةٌ: الضَّعِيفُ الَّذِي لاَ زَبْرَ لَهُ، الَّذِينَ هُمْ فِيكُمْ تَبَعًا، لاَ يَتْبَعُونَ أَهْلًا وَلاَ مَالًا، وَالْخَائِنُ الَّذِي لاَ يَخْفَى لَهُ طَمَعٌ، وَإِنْ دَقَّ، إِلاَّ خَانَهُ، وَرَجُلٌ لاَ يُصْبِحُ وَلاَ يُمْسِي إِلاَّ وَهُوَ يُخَادِعُكَ عَنْ أَهْلِكَ وَمَالِكَ، وَذَكَرَ الْبُخْلَ، أَوِ الْكَذِبَ، وَالشِّنْظِيرُ الْفَحَّاشُ. [1]
مَعْنَى (نَحَلْته) أَعْطَيْته، وَفِي الْكَلَام حَذْف، أَيْ: قَالَ اللَّه تَعَالَى: كُلّ مَال أَعْطَيْته عَبْدًا مِنْ عِبَادِي فَهُوَ لَهُ حَلَال، وَالْمُرَاد إِنْكَار مَا حَرَّمُوا عَلَى أَنْفُسهمْ مِنَ السَّائِبَة وَالْوَصِيلَة وَالْبَحِيرَة وَالْحَامِي وَغَيْر ذَلِكَ، وَأَنَّهَا لَمْ تَصِرْ حَرَامًا بِتَحْرِيمِهِمْ، وَكُلّ مَال مَلَكَهُ الْعَبْد فَهُوَ لَهُ حَلَال، حَتَّى يَتَعَلَّق بِهِ حَقّ.
قَوْله تَعَالَى: (وَإِنِّي خَلَقْت عِبَادِي حُنَفَاء كُلّهمْ) أَيْ: مُسْلِمِينَ، وَقِيلَ: طَاهِرِينَ مِنَ الْمَعَاصِي، وَقِيلَ: مُسْتَقِيمِينَ مُنِيبِينَ لِقَبُولِ الْهِدَايَة، وَقِيلَ: الْمُرَاد حِين أَخَذَ عَلَيْهِمْ الْعَهْد فِي الذَّرّ، وَقَالَ: {أَلَسْت بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} .
قَوْله تَعَالَى: (فَاجْتَالَتْهُمْ) بِالْجِيمِ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ رِوَايَة الْأَكْثَرِينَ، وَعَنْ رِوَايَة الْحَافِظ أَبِي عَلِيّ الْغَسَّانِيّ (فَاخْتَالَتْهُمْ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة. قَالَ: وَالْأَوَّل أَصَحّ وَأَوْضَح، أَيْ: اِسْتَخَفُّوهُمْ فَذَهَبُوا بِهِمْ وَأَزَالُوهُمْ عَمَّا كَانُوا عَلَيْهِ، وَجَالُوا مَعَهُمْ فِي الْبَاطِل، كَذَا فَسَّرَهُ الْهَرَوِيُّ وَآخَرُونَ، وَقَالَ شَمِر: اِجْتَالَ الرَّجُل الشَّيْء ذَهَبَ بِهِ، وَاجْتَالَ أَمْوَالهمْ سَاقَهَا، وَذَهَبَ بِهَا، قَالَ الْقَاضِي: وَمَعْنَى (فَاخْتَالُوهُمْ) بِالْخَاءِ عَلَى رِوَايَة مَنْ رَوَاهُ، أَيْ: يَحْبِسُونَهُمْ عَنْ دِينهمْ، وَيَصُدُّونَهُمْ عَنْهُ.
قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (وَإِنَّ اللَّه تَعَالَى نَظَرَ إِلَى أَهْل الْأَرْض فَمَقَتَهُمْ عَرَبهمْ وَعَجَمهمْ إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْل الْكِتَاب) الْمَقْت: أَشَدّ الْبُغْض، وَالْمُرَاد بِهَذَا الْمَقْت وَالنَّظَر مَا قَبْل بَعْثَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُرَاد بِبَقَايَا أَهْل الْكِتَاب الْبَاقُونَ عَلَى التَّمَسُّك بِدِينِهِمْ الْحَقّ مِنْ غَيْر تَبْدِيل.
قَوْله سُبْحَانه وَتَعَالَى: {إِنَّمَا بَعَثْتُك لِأَبْتَلِيَك وَأَبْتَلِي بِك} مَعْنَاهُ: لِأَمْتَحِنك بِمَا يَظْهَر مِنْك مِنْ قِيَامك بِمَا أَمَرْتُك بِهِ مِنْ تَبْلِيغ الرِّسَالَة وَغَيْر ذَلِكَ مِنَ الْجِهَاد فِي اللَّه حَقّ جِهَاده، وَالصَّبْر فِي اللَّه تَعَالَى وَغَيْر ذَلِكَ، وَأَبْتَلِي بِك مَنْ أَرْسَلْتُك إِلَيْهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُظْهِر إِيمَانه، وَيُخْلِص فِي طَاعَاته، وَمَنْ يَتَخَلَّف، وَيَتَأَبَّد بِالْعَدَاوَةِ وَالْكُفْر، وَمَنْ يُنَافِق، وَالْمُرَاد أَنْ يَمْتَحِنهُ لِيَصِيرَ ذَلِكَ وَاقِعًا بَارِزًا فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى إِنَّمَا يُعَاقِب الْعِبَاد عَلَى مَا وَقَعَ مِنْهُمْ، لَا عَلَى مَا يَعْلَمهُ قَبْل وُقُوعه، وَإِلَّا فَهُوَ سُبْحَانه عَالِم بِجَمِيعِ الْأَشْيَاء قَبْل وُقُوعهَا، وَهَذَا نَحْو قَوْله: {ولَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَم الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ} أَيْ: نَعْلَمهُمْ فَاعِلِينَ ذَلِكَ مُتَّصِفِينَ بِهِ.
(1) - رَوَاهُ مُسْلِمٌ (2865)