قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (وَالَّذِي نَفْس مُحَمَّد بِيَدِهِ، مَا مِنْ كَلْم يُكْلَم فِي سَبِيل اللَّه إِلَّا جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة كَهَيْئَتِهِ حِين كُلِمَ، لَوْنه لَوْن دَم وَرِيحه مِسْك)
أَمَّا (الْكَلْم) فَهُوَ: الْجُرْح، وَيُكْلَم بِإِسْكَانِ الْكَاف، أَيْ: يُجْرَح، وَفِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ الشَّهِيد لَا يَزُول عَنْهُ الدَّم بِغُسْلٍ وَلَا غَيْره، وَالْحِكْمَة فِي مَجِيئِهِ يَوْم الْقِيَامَة عَلَى هَيْئَته أَنْ يَكُون مَعَهُ شَاهِد فَضِيلَته، وَبَذْله نَفْسه فِي طَاعَة اللَّه تَعَالَى، وَفِيهِ: دَلِيل عَلَى جَوَاز الْيَمِين وَانْعِقَادهَا بِقَوْلِهِ: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) وَنَحْو هَذِهِ الصِّيغَة، مِنَ الْحَلِف بِمَا يَدُلّ عَلَى الذَّات، وَلَا خِلَاف فِي هَذَا، قَالَ أَصْحَابنَا: الْيَمِين تَكُون بِأَسْمَاءِ اللَّه تَعَالَى وَصِفَاته، أَوْ مَا دَلَّ عَلَى ذَاته، قَالَ الْقَاضِي: وَالْيَد هُنَا بِمَعْنَى الْقُدْرَة وَالْمُلْك.
قَوْله: (وَالَّذِي نَفْس مُحَمَّد بِيَدِهِ لَوْلَا أَنْ يُشَقّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَا قَعَدْت خِلَاف سَرِيَّة تَغْزُو فِي سَبِيل اللَّه) أَيْ: خَلْفهَا وَبَعْدهَا. وَفِيهِ: مَا كَانَ عَلَيْهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الشَّفَقَة عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَالرَّأْفَة بِهِمْ، وَأَنَّهُ كَانَ يَتْرُك بَعْض مَا يَخْتَارهُ لِلرِّفْقِ بِالْمُسْلِمِينَ، وَأَنَّهُ إِذَا تَعَارَضَتْ الْمَصَالِح بَدَأَ بِأَهَمِّهَا. وَفِيهِ: مُرَاعَاة الرِّفْق بِالْمُسْلِمِينَ، وَالسَّعْي فِي زَوَال الْمَكْرُوه وَالْمَشَقَّة عَنْهُمْ.
قَوْله: (لَوَدِدْت أَنْ أَغْزُو فِي سَبِيل اللَّه فَأُقْتَل ثُمَّ أَغْزُو فَأُقْتَل ثُمَّ أَغْزُو فَأُقْتَل) فِيهِ: فَضِيلَة الْغَزْو وَالشَّهَادَة، وَفِيهِ: تَمَنِّي الشَّهَادَة وَالْخَيْر، وَتَمَنِّي مَا لَا يُمْكِن فِي الْعَادَة مِنْ الْخَيْرَات، وَفِيهِ: أَنَّ الْجِهَاد فَرْض كِفَايَة لَا فَرْض عَيْن. [1]
فَعَنْ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ السُّلَمِيِّ، وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: الْقَتْلَى ثَلاَثَةٌ: رَجُلٌ مُؤْمِنٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَقِيَ الْعَدُوَّ فَقَاتَلَ حَتَّى يُقْتَلَ فَذَلِكَ الْمُمْتَحَنُ فِي خَيْمَةِ اللهِ تَحْتَ عَرْشِهِ لاَ يَفْضُلُهُ النَّبِيُّونَ إِلاَّ بِدَرَجَةِ النُّبُوَّةِ، وَرَجُلٌ مُؤْمِنٌ قَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا لَقِيَ الْعَدُوَّ فَقَاتَلَ حَتَّى يُقْتَلَ فَذَلِكَ مَصْمَصَةٌ مَحَتْ ذُنُوبَهُ وَخَطَايَاهُ، إِنَّ السَّيْفَ مَحَّاءٌ لِلْخَطَايَا وَقِيلَ لَهُ: ادْخُلْ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شِئْتَ فَإِنَّهَا ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ، وَلِجَهَنَّمَ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ بَعْضُهَا أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ، وَرَجُلٌ مُنَافِقٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَقَاتَلَ حَتَّى يُقْتَلَ فَذَاكَ فِي النَّارِ إِنَّ السَّيْفَ لاَ يَمْحُو النِّفَاقَ. [2]
فَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: «عَيْنَانِ لاَ تَمَسُّهُمَا النَّارُ عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ» [3]
وعن أنس، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عينان لا تريان النار: عين باتت تكلأ في سبيل الله، وعين بكت من خشية الله» [4]
(1) - شرح النووي على مسلم (6/ 353)
(2) - رَوَاهُ الطيالسي (1363) وصححه الألباني في المشكاة (3859)
(3) - رَوَاهُ الترمذي (1740) وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (1338)
(4) - التاريخ الكبير للبخاري (712) وصححه الألباني في صحيح الجامع (4111)