فَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنهما - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ، وَإِذَا اشْتَرَى، وَإِذَا اقْتَضَى» [1]
فَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ يَضْمَنْ لِى مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ» [2]
(مَنْ يَضْمَن) مِنَ الضَّمَان بِمَعْنَى الْوَفَاء بِتَرْكِ الْمَعْصِيَة، فَأَطْلَقَ الضَّمَان وَأَرَادَ لَازِمه وَهُوَ أَدَاء الْحَقّ الَّذِي عَلَيْهِ، فَالْمَعْنَى مَنْ أَدَّى الْحَقّ الَّذِي عَلَى لِسَانه مِنَ النُّطْق بِمَا يَجِب عَلَيْهِ أَوْ الصَّمْت عَمَّا لَا يَعْنِيه وَأَدَّى الْحَقّ الَّذِي عَلَى فَرْجه مِنْ وَضْعه فِي الْحَلَال وَكَفّه عَنِ الْحَرَام. قَوْله (لَحْيَيْهِ) هُمَا الْعَظْمَاتُ فِي جَانِبَيْ الْفَم وَالْمُرَاد بِمَا بَيْنهمَا اللِّسَان وَمَا يَتَأَتَّى بِهِ النُّطْق، وَبِمَا بَيْن الرِّجْلَيْنِ الْفَرْج. وَقَالَ الدَّاوُدِيّ الْمُرَاد بِمَا بَيْن اللَّحْيَيْنِ الْفَم، قَالَ: فَيَتَنَاوَل الْأَقْوَال وَالْأَكْل وَالشُّرْب وَسَائِر مَا يَتَأَتَّى بِالْفَمِ مِنَ الْفِعْل، قَالَ: وَمَنْ تَحَفَّظَ مِنْ ذَلِكَ أَمِنَ مِنَ الشَّرّ كُلّه، لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ إِلَّا السَّمْع وَالْبَصَر، كَذَا قَالَ وَخَفِيَ عَلَيْهِ أَنَّهُ بَقِيَ الْبَطْش بِالْيَدَيْنِ، وَإِنَّمَا مَحْمَل الْحَدِيث عَلَى أَنَّ النُّطْق بِاللِّسَانِ أَصْلٌ فِي حُصُول كُلّ مَطْلُوب فَإِذَا لَمْ يَنْطِق بِهِ إِلَّا فِي خَيْر سَلِمَ. وَقَالَ اِبْن بَطَّال: دَلَّ الْحَدِيث عَلَى أَنَّ أَعْظَم الْبَلَاء عَلَى الْمَرْء فِي الدُّنْيَا لِسَانه وَفَرْجه، فَمَنْ وُقِيَ شَرّهمَا وُقِيَ أَعْظَم الشَّرّ. [3]
فَعَنْ أَبِى أُمَامَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِى رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا وَبِبَيْتٍ فِى وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحًا وَبِبَيْتٍ فِى أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ» . [4]
قوله: [ (أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًا) ] يعني: المجادلة التي تؤدي إلى الخصومة والشقاق والوحشة، فالإنسان يبتعد عنها حتى تسلم القلوب، وتصفى النفوس. قوله: [ (وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحًا) ] . فعلى الإنسان أن يعود نفسه على الصدق والبعد عن الكذب، فمن ترك الكذب ولو كان عن طريق المزح فإنه موعود بهذا الوعد الكريم وهو بيت في وسط الجنة. قوله: [(وببيت في أعلى الجنة لمن
(1) - رَوَاهُ البخارى (2076)
(2) - رواهُ البخاريُّ (6474)
(3) - رَوَاهُ مُسْلِمٌ (1054)
(4) - رَوَاهُ أبو داود (4802) والطبراني في الكبير (7361) والبيهقي في السنن الكبرى (21708) (صحيح) وحسنه الألباني في الصحيحة (273)