فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 69

كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ قُتِلَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَإِنْ غَرِقَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ وَقَصَتْهُ دَابَّةٌ كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةُ [1] .

قَوْله (بَأَطْرُقِهِ) جَمْعُ طَرِيق (تُسْلِم) أَيْ كَيْف تُسْلِم (وَإِنَّمَا مَثَل الْمُهَاجِر كَمَثَلِ الْفَرَس فِي الطِّوَل) وَهُوَ الْحَبْل الَّذِي يُشَدّ أَحَد طَرَفَيْهِ فِي وَتَد وَالطَّرَف الْآخِر فِي يَد الْفَرَس وَهَذَا مِنْ كَلَام الشَّيْطَان وَمَقْصُوده أَنَّ الْمُهَاجِر يَصِير كَالْمُقَيَّدِ فِي بِلَاد الْغُرْبَة لَا يَدُور إِلَّا فِي بَيْته وَلَا يُخَالِطهُ إِلَّا بَعْض مَعَارِفه فَهُوَ كَالْفَرَسِ فِي طِوَل لَا يَدُور وَلَا يَرْعَى إِلَّا بِقَدْرِهِ، بِخِلَافِ أَهْل الْبِلَاد فِي بِلَادهمْ فَإِنَّهُمْ مَبْسُوطُونَ لَا ضِيق عَلَيْهِمْ فَأَحَدهمْ كَالْفَرَسِ الْمُرْسَل.

(فَهُوَ جَهْد النَّفْس) بِمَعْنَى الْمَشَقَّة وَالتَّعَب، وَالْمُرَاد بِالْمَالِ الْجَمَال وَالْعَبِيد وَنَحْوهمَا أَوْ الْمَال مُطْلَقًا وَإِطْلَاق الْجَهْد لِلْمُشَاكَلَةِ أَيْ تَنْقِيصه وَإِضَاعَته وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَم.

فَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ النَّبِىَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «اضْمَنُوا لِى سِتًّا مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَضْمَنْ لَكُمُ الْجَنَّةَ اصْدُقُوا إِذَا حَدَّثْتُمْ وَأَوْفُوا إِذَا وَعَدْتُمْ وَأَدُّوا إِذَا ائْتُمِنْتُمْ وَاحْفَظُوا فُرُوجَكُمْ وَغُضُّوا أَبْصَارَكُمْ وَكُفُّوا أَيْدِيَكُمْ» [2] .

فَعَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ عَنْ أَبِى كَبْشَةَ السَّلُولِىِّ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو - رضى الله عنهما - يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَرْبَعُونَ خَصْلَةً أَعْلاَهُنَّ مَنِيحَةُ الْعَنْزِ، مَا مِنْ عَامِلٍ يَعْمَلُ بِخَصْلَةٍ مِنْهَا رَجَاءَ ثَوَابِهَا وَتَصْدِيقَ مَوْعُودِهَا إِلاَّ أَدْخَلَهُ اللَّهُ بِهَا الْجَنَّةَ» . قَالَ حَسَّانُ فَعَدَدْنَا مَا دُونَ مَنِيحَةِ الْعَنْزِ مِنْ رَدِّ السَّلاَمِ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَإِمَاطَةِ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ وَنَحْوِهِ، فَمَا اسْتَطَعْنَا أَنْ نَبْلُغَ خَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةً» [3]

والمنيحة: هي أن الإنسان يكون عنده غنم وفيها حليب، فيمنحها لفقير يحلبها ويستفيد منها، فإذا انتهى الحليب منها أرجعها إلى صاحبها، فهذا تصدُّق بالمنفعة، وليست تصدقًا بالعين، فالعين باقية على ملك صاحبها، ولكن الذي بذله صاحبها هو منفعتها، وهو الحليب الذي فيها؛ ليسد حاجة الفقير. وأورد أبو داود حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما: (أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: أربعون خصلة أعلاها منيحة العنز، وما يعمل أحد بخصلة منها) . يعني: هذه الخصال التي أعلاها منيحة العنز. قوله: (رجاء ثوابها، وتصديق موعودها) يعني: ما وعد به على فعلها. قوله: (إلا أدخله الله تعالى بها الجنة) ، فالرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذكر أربعين خصلة، وذكر أن أعلاها منيحة العنز، وأن ما دونها من الخصال هي أقل منها، وأي واحدة منها يعمل الإنسان بها رجاء ثوابها، وتحصيل موعودها إلا أدخله الله تعالى بها الجنة، ولم يذكر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذه الأربعين وإنما أبهمها

(1) - رَوَاهُ ابن حبان - (10/ 453) (4593) وأحمد (16379) والنسائى (3147) وصححه الألباني في"التعليق الرغيب" (2/ 173)

(2) - رَوَاهُ أحمد (23428) وحسنه الألباني في الصحيحة (1470)

(3) - رَوَاهُ البخاري (2631)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت