الحمد لله الذي له ميراث السماوات والأرضين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وآله وصحبه أجمعين، وبعد:
فإن مما هو معلوم لدى الباحثين في مضمار الحضارة والمختصين بتواريخ الأمم أن هناك سننا كونية تلعب دورا مهما في بقاء أو فناء أي دولة أو حضارة ما، وتجدر الإشارة هنا إلى أن مفهوم الحضارة يختلف من وجهة لأخرى بحسب المفاهيم التي تدور في فلك أذهان المهتمين بها وثقافاتهم. هذا ولقد اخترت موضوع"مفهوم الحضارة كما يصورها القرآن"بسبب عصمة المنهج القرآني فهو يمثل حقيقة المضامين الصحيحة لمفهوم الحضارة، مع العرض بأن القرآن الكريم وهو الوحي المعصوم قد صور لنا الحضارة وفق منظور يتربع فوق ذروة المثالية في كافة الجوانب مراعيا بذلك قدرة الإنسان المكلف على الأخذ بأسباب ديمومة الارتقاء، وعلى الرغم من أن هذا البحث يخص جزئية صغيرة في مبناها غير أن المعاني التي يحملها هذا الموضوع يتعدى بناءه اللفظي إلى كتب ومجلدات، ولكنني لم أجد بدا من اختزال المعاني بصفحات سلطت فيها الضوء على بعض الجوانب المهمة، ولقد قسمت بحثي هذا إلى مبحثين، المبحث الأول يتكون من مطلبين، المطلب الأول في تعريف الحضارة لغة واصطلاحا، والمطلب الثاني في صلة الحضارة بالمفهوم الإسلامي، والمبحث الثاني كان في سمات حضارة الإسلام وقوامها كما يصورها القرآن والسنة النبوية المطهرة في الجانب الديني والاجتماعي والأخلاقي والأدبي والاقتصادي والعلمي والسياسي ومن ثم الخاتمة والنتائج وبعدها المصادر. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه والحمد لله رب العالمين.
المبحث الأول: وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف الحضارة لغة واصطلاحا.
قبل التعرف على معنى الحضارة لابد من معرفة أن مفهوم الحضارة من المصطلحات والمفاهيم وليدة العصرين الحديث والمعاصر، وتعاني من إشكاليات كبيرة، لأنها انبثقت من مدارس ومفكرين متخصصين وعلماء في شتى العلوم الإنسانية، وتباينت تكويناتهم وعقائدهم وآراؤهم ومجتمعاتهم، وإن الحضارة لوحدها قد ورد لها مئات المفاهيم، ولم يتفق المهتمون في هذا المجال على مفهوم محدد يصلح وينطبق على كل الحضارات، لاختلافها من حيث النشأة والخصائص