الصفحة 8 من 33

المطلب الثاني: صلة الحضارة بالمفهوم الإسلامي:

[لاشك أن نظرة الإسلام الحضارية نظرة متميزة، تقوم على القيم والإخلاص والخصائص الإنسانية العليا التي ينفرد بها الإنسان عن الحيوان، فمجتمع الإسلام يبنى على العقيدة، لا على الجنس أو اللون، عقيدة تجمع بين الأسود والأبيض والأحمر والأصفر، والعربي والرومي والحبشي والفارسي وسائر أجناس الأرض، في عبودية تامة لله سبحانه، وخضوع لأوامره، حيث تطوع العادات والتقاليد والأعراف والطبائع لتلك العبودية، وليس من معنى هذا أن المجتمع الإسلامي المتحضر يحتقر المادة، وإنما هو يحترمها في صورتها النظرية؛ باعتبار أنها هي التي يتألف منها هذا الكون البديع الذي نعيش فيه ونتأثر به، في صورتها في الإنتاج المادي، فالإنتاج المادي من مقومات الخلافة في الأرض، سخره الله لنا، وأمرنا أن نعمل الفكر فيه، ونسير في الأرض لتحصيله والاستفادة منه (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق) [1] ، ولكن المسلم لا يعتبر هذا غايته ولا يتصوره القيمة العليا التي تستعبد الإنسان وتهدر كرامته وتبتلع حريته وتجعله خاضعا ذليلا في كل ما يصدر عنه أو يتصرف فيه، ولا تدخل فتغير أسلوبه وتبدد خلقه، وتحرمه من القيم العليا والفضائل الحسنة؛ لتحقق شيئا أرضيا مثل الوفرة في الإنتاج، أو الرفاهية في الطعام، أو الأناقة في الملبس، والراحة في المسكن، والترف في المركب؛ على حساب قيمه العليا، فينقلب الإنسان إلى شيء آخر غير الإنسان، قد ينقلب إلى حيوان، وقد يكون أشر منه وأضل، كما أشار القرآن بذلك: (ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم) [2] ، (إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل) [3] ... . فالتعريف الإسلامي للحضارة على هذا المعنى هو: القيم والأخلاق والعقيدة الخلاقة والخصائص الإنسانية العليا التي ينفرد بها الإنسان عن الحيوان، وتكون دافعا له إلى تسخير ما خلق الله فيما أمر به؛ لأن إنسانية الإنسان هي قيمته العليا في الحياة، فيجب أن تكون موضع التكريم والاحترام، وعقيدته هي ميزانه وقوته الدافعة وقانونه في نفسه وفي مجتمعه، فيجب أن تكون موضع النظر والاعتبار، وتصرفه في المادة التي هي من نعم الله يجب أن يكون على شكل يحقق الإفادة والنفع والهداية

(1) الأعراف: 32.

(2) محمد: 12.

(3) الفرقان: 44.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت