وأمان بعفو أو قصاص إلا بهديه صلى الله عليه وسلم حيث يقول رب العزة سبحانه في كتابه: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون) [1] ، فهذا القصاص أصبح حياة لأنه أمن، وفوق هذا القصاص الذي فيه أمن حياة فكان في العفو لأعظم حياة وأمنها، وهي حياة أليفة مؤلفة بين القتلى قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم) [2] ، فإن لم يكن الأمن محققا ولا يقبل المقتولون إحسانا عفويا من القاتلين فكان الأمن بالقصاص لا بد، ويقول جل شأنه: (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون) [3] ، أي لكي يتقي الناس شر فتن القتال الدائرة من حولهم، والذي يجنبهم منها هو القصاص إن لم يكن هنالك عفو صادر من قبل المنجي عليه، وقال جل شأنه: (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا) [4] ، فإن القتيل منصور بالقصاص في الدنيا و بالثواب في الآخرة فيرى الرازي: كأنه قيل للظالم المبتدئ بذلك القتل على سبيل الظلم لا تفعل ذلك فإن ذلك المقتول يكون منصورا في الدنيا والآخرة أما نصرته في الدنيا فبقتل قاتله، وأما في الآخرة فبكثرة الثواب له وكثرة العقاب لقاتله، إن هذا الولي يكون منصورا في ذلك القاتل الظالم فيكتف بهذا القدر فإنه منصور فيه ولا ينبغي أن يطمع في الزيادة منه لأن من يكون منصورا من عند الله يحرم عليه طلب الزيادة، فإن هذا السلطان أعظم الحياة لأنه مأمور بعدم الإسراف في قتل القاتل وإن وهب بسلطانه بقبول دية القاتل أحيا أناسا هم القاتل وأهله حتى لا تسير شوكة التمزق فيهم، وإن عفا عنه مجانا أحياه وأكرمه وأحسن إليه، لأنه الولي بسلطانه منصور، وكذلك القتيل
(1) آل عمران: 103.
(2) البقرة: 178.
(3) البقرة: 179.
(4) الإسراء: 33.