وأساسها على الحكم، ومصالح العباد في المعاش والمعاد هي عدل كلها ورحمة ومصالح كلها وحكمة كلها [1] .
ومنها هنا حق القول أن يقال: إن العقوبات جاءت في الشريعة الإسلامية لدرء المفاسد والأضرار التي تلبس المجتمع الضياع والهلاك من وقوع الزنا، والقذف وشرب المسكرات التي تذهب سلامة العقول، والقتل، وسرقة أموال الناس، وجريمة الحرابة على المارة والطرق، وجريمة البغي على الإمام الحاكم العام للمسلمين، وجريمة الردة التي تخرج على سلطان الشريعة.
يقول الله تعالى: (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) [2] ، فقد حرم الإسلام الجناية على المال والنفس ... ومن هنا أوجب القصاص والحدود على الجاني، فإن كانت الجناية تقع على أحد كان للمجني عليه أو لأهله حق الاقتصاص من الجاني، لما تمثل فيه حياة، وهذه الحياة قبل القصاص حياة نار، فشعلة نار حياة تعيش في أولياء القتيل للانتقام من القاتل وأهله، وكربة نار حياة تعيش في القاتل وأهله ذعرا وخوفا من ضربة الانتقام، فحين تقضي حياة بحياة أخرى ففي واقع الأمر انتهت حياتي الجاني والمجني عليه، وأين هذه الحياة التي في القصاص إذن، بعد ذهاب حياتين تلكما؟! لأن الله سبحانه وتعالى قال: (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون) [3] ، و (حياة) للجنس لم تكن حياة واحد أو واحدة فحسب وإنما حياة أناس من أهل الجاني والمجني عليه، تلك الحياة قد تذهب لعدم الاقتصاص هباء منثورا من وقوع حروب بادرة دائرة وسجال إلى هلاك الأجيال، فهي حياة - في قصاص - للناس ومعيشتهم، وهى حياة تعيش بينهم وتحافظ عليهم و تحميهم من بروز عداء، لأن القصاص حياة معنوية لما فيه روح الأمن والأمان.
فعظم الله تعالى نبيه صلى الله بابتعاثه بشيرا ونذيرا إلى الناس جميعا، تأكلهم نار الحرب التي كانت سجالا بينهم لأن فيهم حياة الانتقام، وحياة الذعر والخوف، وما اهتدوا إلى حياة أمن
(1) ينظر: الزرعي، أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي الدمشقي ت 751 ه. إعلام الموقعين. تحقيق طه عبد الرؤوف سعد. بيروت: دار الجيل، 1973 م. 3: 3.
(2) المائدة: 45.
(3) البقرة: 179.