الصفحة 9 من 47

الأربع نفيًا مرتبًا متنقلًا من الأعلى إلى الأدنى، فنفى الملكَ والشركةَ والمظاهرةَ [1] والشفاعةَ التي يطلبها المشرك، وأثبت الشفاعة التي لا نصيبَ فيها لمشرك، وهي الشفاعة بإذنه، فكفى بهذه الآية نورًا وبرهانًا وتجريدًا للتوحيد، وقطعًا لأصولِ الشرك وموادِّه لمن عقلها.

والقرآن الكريمُ مَملوء من أمثالها ونظائرها، ولكنَّ أكثرَ الناس لا يَشعرون بدُخول الواقع تَحته وتضمنَه له، ويظنُّونَها في نوع وقوم قد خَلَوْا من قبلُ لم يعقبوا وارثًا، فهذا هو الذي يَحول بين القلبِ وبين فَهم القرآن، ولعَمْرُ الله، إن كان أولئك قد خَلَوْا، فقد ورثهم من هو مثلهم، أو شرٌّ منهم، أو دونهم، وتناوُلِ القرآن لهم كتَناوُلِه لأولئك.

إنَّ اتخاذَ الشفعاءِ والأنداد من دون الله هضمٌ لحقِّ الرُّبوبية، وتنقُّص للعظمة الإلهية، وسوءُ ظنٍّ برب العالمين، كما قال تعالى: {وَيُعَذِّبَ المُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ} [الفتح: 5] .

فإنَّهم ظنوا به ظنَّ السوء، حتى أشركوا به، ولو أحسنوا به الظنَّ، لوحَّدوه حقَّ توحيده، ولهذا أخبر - سبحانه وتعالى - عن المشركين أنَّهم ما قَدَرُوا الله حَقَّ قَدْرِه، وكيف يقدره حقَّ قدره مَنِ اتَّخَذَ من دونه ندًّا أو شفيعًا يُحبه ويَخافه ويرجوه، ويذل له ويَخضع له، ويهرب من سخطه، ويُؤثِر مرضاتَه، ويدعوه ويذبح له وينذر، ويُسَوُّونَهم برب العالمين: {تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ العَالَمِينَ} [الشعراء: 97 - 98] . سَوَّوْهم في المحبة والتعظيم والعبادة.

الشفاعة الحقة:

(1) المعاونة والمساندة والتأييد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت