الصفحة 46 من 47

الآخرة لم تكن له حسنة يُجزى بها )) .

قال ابن القيم في مفتاح دار السعادة:

فما أصاب العبدَ مُصيبةٌ قطُّ دقيقة ولا جليلة إلاَّ بِما كسبت يداه، وما يعفو الله عنه أكثر، وما نزل بلاءٌ قطُّ إلا بذنب، ولا رُفِعَ بلاء إلا بتوبة، ولهذا وضع الله المصائبَ والبلايا والمحن رحمةً بين عبادِه يكفر بها من خطاياهم، فهي من أعظمِ نِعَمِه عليهم، وإن كرهتها أنفسهم، ولا يدري العبدُ أيَّ النعمتين عليه أعظم: نعمته عليه فيما يكره، أو نعمته عليه فيما يُحب، وما يصيب المؤمن من هم ولا وصب ولا أذى حتى الشوكة يُشاكُها إلاَّ كَفَّر الله بها من خطاياه، وإن كان للذنوب عقوبات ولا بُد، فكلما عوقب العبد من ذلك قبل الموت، كان خيرًا له مما بعده وأيسر وأسهل بكثير.

عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( لن يُدْخِل أحدًا عملُه الجنةَ ) )، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: (( ولا أنا، إلاَّ أن يتغمدني الله بفضل منه ورحمة، فسَدِّدوا، وقاربوا، ولا يَتَمَنَّيَنَّ أحدُكم الموتَ، إما مُحسنًا فلعله أن يزداد خيرًا، وإمَّا مسيئًا فلعله أن يَسْتَعْتِب ) ) [1] .

وقال ابن القيم: إنه لولا رحمة الله لعبده، لَمَا أدخله الجنة؛ لأن العمل بمجرَّدِه لو تناهى لا يوجب دخولَ الجنة، ولا أن يكون عِوَضًا لها؛ لأنَّه لو وقع على الوجه الذي يُحبه الله لا يقاوم نعمة الله، بل جميع العمل لا يُوازي نعمةً واحدة، فتبقى سائرُ نعمه مُقتضية لشُكْرِها، وهو لم يُوَفِّها حَقَّ شكرها، فلو عذبه في هذه الحالة، فهو غير ظالم، وإذا رحمه في هذه الحالة، كانت

(1) البخاري (5673) ، ومسلم (2816) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت