عنده مِن المعارض ما يَجعله يقبل الشفاعة، ويكون المعارض قويًّا قوة ترد بها الشفاعة، أو ضعيفًا فتقبل معه الشَّفاعة، وليس شأن الله كذلك، فليسَ له عند خلقه رغبةٌ ولا رهبة، بل كل الخلق تحت قبضته وفي مُلكه وتصرُّفه، فلو شاء جعل الخلق كلهم طائعين، ولو شاء لم يَخلق معصية، وكذلك فإنه - سبحانه - إن لم يَخلق شفاعةَ الشافع، ولم يأذن له ويُحبها منه ويرضى، فلا تقع أبدًا، وشفاعة الشافع وإن كانت عُلُوًّا لِمنْزلته، إلاَّ أنه امتثالٌ لأمره وطاعة له، وكل طاعة من العبد لربه رِفعة، فشرفُ العبد في عبوديته لربه.
ينبغي لكل عبد مستقيم أنْ يُؤمِنَ بأنَّ اللهَ هو الحكَم العدل، وأنَّه لا يظلم أحدًا مِثقالَ ذَرَّة، وليس عنده من فضل لأحد مِن خلقه إلا بالتقوى والعمل الصالح، وأمَّا التفضيل للذات بغير تقوى أو عمل صالح، فذلك هو الذي انحرفت به بنو إسرائيل، فقالوا: {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} [المائدة: 18] ، ففي سورة المائدة: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ المَصِيرُ} [المائدة: 18] .
ولذا فإنَّ الله - عزَّ وجلَّ - لم يفضل أمة لذاتِها، إنَّما فضل الأمة لعملها، ولو فاقها غيرُها في العمل، لكان خيرًا منها؛ قال - تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ المُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الفَاسِقُونَ} [آل عمران: 110] .
قال ابن كثير: فمَنِ اتَّصف من هذه الأمة بهذه الصِّفات دخل معهم في هذا الثناء عليهم والمدح، كما قال قتادة: بلغَنا أنَّ عمر بن الخطاب - رضي