الصفحة 18 من 47

أمَّا الشفاعةُ لأهل الذنوب من الموحدين، فمتفق عليها بين الصحابة، والتابعين، وسائر المسلمين الأربعة وغيرهم، وإنَّما أنكرها كثيرٌ من أهل البدع من الخوارج والمعتزلة والزيدية؛ لأنَّهم يقولون:"مَن يدخل النارَ، لا يَخرج منها لا بشفاعة ولا غيرها"، فأنكروا المتواترَ من السنة في ذلك، بل آيات القرآن المثبتة للشفاعة، مُحتجين بآياتٍ من القرآن اشتبه عليهم معناها، مثل قوله - تعالى: {وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ} [البقرة: 48] ، وقوله: {وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ} [البقرة: 123] ، وقوله: {مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ} [البقرة: 254] ، وبقوله: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ} [غافر: 18] ، وبقوله: {فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} [المدثر: 48] .

والجواب عن ذلك أنَّ هذه الآياتِ نفت الشفاعةَ أنْ تنفع المشركين، كقوله - تعالى: {وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا اليَقِينُ * فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} [المدثر: 46 - 48] ، وفي الصحيح [1] عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: (( لكلِّ نبي دَعوة مُستجابة، فتعجَّل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعةً يوم القيامة، فهي نائلة - إن شاء الله تعالى - مَن مات من أُمَّتي لا يُشرك بالله شيئًا ) ).

وفي السنن [2] عن عوف بن مالك قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم: (( أتاني آتٍ من عند ربي، فخيرني بين أن يدخل نصفُ أمتي الجنة، وبين الشفاعة، فاخترتُ الشفاعة، وهي لمن مات لا يشرك بالله شيئًا ) ).

(1) تقدم.

(2) "سنن الترمذي" (2441) ، وصححه الألباني في"صحيح الجامع" (56) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت