أمَّا الشفاعةُ لأهل الذنوب من الموحدين، فمتفق عليها بين الصحابة، والتابعين، وسائر المسلمين الأربعة وغيرهم، وإنَّما أنكرها كثيرٌ من أهل البدع من الخوارج والمعتزلة والزيدية؛ لأنَّهم يقولون:"مَن يدخل النارَ، لا يَخرج منها لا بشفاعة ولا غيرها"، فأنكروا المتواترَ من السنة في ذلك، بل آيات القرآن المثبتة للشفاعة، مُحتجين بآياتٍ من القرآن اشتبه عليهم معناها، مثل قوله - تعالى: {وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ} [البقرة: 48] ، وقوله: {وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ} [البقرة: 123] ، وقوله: {مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ} [البقرة: 254] ، وبقوله: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ} [غافر: 18] ، وبقوله: {فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} [المدثر: 48] .
والجواب عن ذلك أنَّ هذه الآياتِ نفت الشفاعةَ أنْ تنفع المشركين، كقوله - تعالى: {وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا اليَقِينُ * فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} [المدثر: 46 - 48] ، وفي الصحيح [1] عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: (( لكلِّ نبي دَعوة مُستجابة، فتعجَّل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعةً يوم القيامة، فهي نائلة - إن شاء الله تعالى - مَن مات من أُمَّتي لا يُشرك بالله شيئًا ) ).
وفي السنن [2] عن عوف بن مالك قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم: (( أتاني آتٍ من عند ربي، فخيرني بين أن يدخل نصفُ أمتي الجنة، وبين الشفاعة، فاخترتُ الشفاعة، وهي لمن مات لا يشرك بالله شيئًا ) ).
(1) تقدم.
(2) "سنن الترمذي" (2441) ، وصححه الألباني في"صحيح الجامع" (56) .