وفي الحديث دلالة على أنَّ أهلَ الجنة قد عرفهم ربُّ العزة - سبحانه - فالشفاعة لا تزيد عددَهم ولا تنقص منهم، إنَّما هو إظهار القدر الذي قدَّره رب العالمين - سبحانه - حتى إنَّه يبقى بعد الشفاعات من هؤلاء الذين قضى الله لهم بالجنة بقية في النار، فيخرجهم ربُّ العزة - سبحانه - بيده، وقد امتُحِشوا ولم يعملوا خيرًا قطُّ.
هذا، وإن رب العزة يقدر كل شيء، فلا يقع شيء إلا بقدره، فمن تلك المقادير التي يقدرها الله - سبحانه - أن يذكِّر المؤمنين في الجنة بإخوانهم الذين دخلوا النار؛ ليشفعوا لهم عند الله - سبحانه - كما جاء في الحديث الطويل عند البخاري ومسلم [1] مُطولًا، وجاء فيه: (( وحتى إذا خَلَص المؤمنون من النار، فوالذي نفسي بيده، ما منكم من أحد بأشدَّ مناشدةً لله في استقصاء الحق من المؤمنين لله يومَ القيامة لإخوانهم في النار، يقولون: يا ربَّنا، كانوا يصومون معنا، ويصلون ويَحجُّون، فيقال لهم: أخرجوا من عَرَفتم ... ) )إلى آخر الحديث الطويل، فيكون تقديرُ ربِّ العالمين بأن يذكِّر المؤمنين بعد دخول الجنة بإخوانهم، فيشفعون لهم، فكأنَّ الله يُبقي في النار مَن يشاء، ثم يذكِّر بِهم أهلَ الشفاعة، ثم يأذن لمن يشاء، وكذلك فهو يقدِّر أن يقول أهلُ النار من المشركين لبقية عُصاة الموحدين:"استوينا معكم في النار، فما نفعكم إيمانكم"، فيغار ربُّ العزة، ويقول: وعزتي وجلالي، لأخرجن منها مَن قال: لا إله إلا الله، ولا يُخلد في النار إلاَّ المشركون، إلاَّ من حبسهم القرآن.
فانظر كيف قدر ربُّ العزة على لسان أهل النار قولًا بعد كل تلك الشفاعات؛ ليخرج - سبحانه - بقية مَن كُتِبَ لهم الجنة، مع أنَّه يرد شفاعةَ
(1) البخاري (7439) ، ومسلم (183) .