الجنة، فأبيت إلاَّ الشرك )) .
ومن يستعرض الحديث الطويلَ الذي رَوته كتبُ السنة في الشفاعة، يلاحظ أنَّ في الحديث اختصارًا، ذلك أنه بدأ الحديث بذكر ما أصاب الناس من شِدَّة يوم القيامة، وأنَّهم ألهموا أن يطلبوا الشافع الذي يشفع لهم للنظر في الأعمال، والفصل في القضاء؛ لينصرفوا من الموقف من شدة ما يلقَوْن فيه، ثم يطلبون من آدم، ثم من نوح، ثم من إبراهيم، ثم من موسى، ثم من عيسى - عليهم السلام جميعًا - فيأبى كلُّ واحد منهم، ويستحْيِي من ربِّه، ولا يتعرض للشفاعة، ويُحيل على غيره، ثم يذهبون إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - الذي يستأذن على ربه ويسجد فيشفع.
بعد ذلك السياق يقال له: (( يا محمد، ارفع رأسَك، واشفع تُشفَّع، وقل يسمع لك، وسل تعطَ، فيقول: أمتي، أمتي، فيقال له: أخرجْ مِنَ النار مَن قال: لا إلهَ إلا الله، وكان في قلبه مثقالُ حبة بُرٍّ من خير ) ).
فانظر كيف كان أول الحديث طلب الشفاعة للإذن في الفصل والحساب، ثم يقول النبي - صلى الله عليه وسلم: (( أنا لها، أنا لها ) )، ثم إذا أذن له في الشفاعة، يقول: (( أمتي، أمتي ) )ويقال له: (( أخرج من النار ... ) )، وهذا يدل على أمور:
الأول: أن الشفاعة في القضاء قد تَمَّت، وأن الله قد حاسب الخلائقَ، ووَزَن عليهم الأعمال.
ثانيًا: أنَّ أهلَ الجنة قد دخلوا الجنة، وأنَّ أهلَ النار قد دخلوا النار، وفي ذلك أيضًا استفتاح الجنة بشفاعة النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم.
ثالثًا: إذا كانت شفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - تبدأ في عُصاة الموحدين بإخراج أصحاب البُرَّة من الخير، ثم الشعيرة، ثم الخردلة، أو الذَّرَّة، فالذي يفهم من