الصفحة 16 من 47

{وَلاَ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [سبأ: 23] ، فنفى نفعَ الشفاعة إلاَّ لمن استثناه، ولم يثبت أنَّ مخلوقًا يَملك الشفاعة، بل هو سبحانه له الملكُ وله الحمد لا شريك له في الملك؛ قال تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} [الفرقان: 1 - 2] .

ولهذا لما نفى الشُّفعاء من دونه، نفاهم نَفيًا مطلقًا بغير استثناء، وإنَّما يَقَعُ الاستثناء إذا لم يقيدهم بأنَّهم من دونه، كما قال تعالى: {وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ} [الأنعام: 51] ، وكما قال تعالى: {وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ} [الأنعام: 70] ، وكما قال تعالى: {مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ شَفِيعٍ} [السجدة: 4] .

فلما قال: {مِّن دُونِهِ} نفى الشفاعةَ مُطلقًا، وإذا ذكر (بإذنه) ، لم يقلْ: (من دونه) ، كقوله: {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255] ، وقوله: {مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ} [1] [يونس: 3] .

وإنَّما تنال الشفاعة بشهادةِ أن لا إله إلا الله، وهي شهادة الحقِّ؛ لقوله - تعالى: {وَلاَ يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [الزخرف: 86] ، والأحاديث الصحيحة الواردة في الشَّفاعة تبيِّن أنَّها تكون لأهل لا إله إلا الله.

فمَن والى غير الله، ودعاه، وحَجَّ إلى قبره، ونذر له، وحلف به، وقرب له

(1) تدبر هذه القاعدة من كلام شيخ الإسلام ابن تيميَّة؛ لتعلمَ أنَّ الشفاعةَ المثبتة ليست من دونه، بل هي من بَعْدِ إذنه، وأنَّ الشفاعة المنفية من دونه، ولا يأذن فيها مطلقًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت