فانظر - رعاك الله - كيف أن الله لم يقبلْ مِن ثلاثةٍ مِنَ الرُّسل من أولي العَزْم، فيهم إمامُ المرسلين - صلى الله عليه وسلم - فكيفَ بغيرِهم؟ وأنَّ شفاعةَ أحدِهم في وَلدِه، والثانية في والده، والثالثة في عمِّه الذي كَفَلَه ورعاه، ومنها شفاعة في الآخرة، وشفاعتان في الدنيا، فتدبَّر حتى لا يُلهينا الأمل عن العمل.
بل ضرب الله مثلًا للذين كفروا امرأةَ نوح وامرأةَ لوط، فقال: {كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ} [التحريم: 10] .
قال شيخُ الإسلام ابن تيمية: لا تنفعُ الشفاعة عنده إلاَّ لمن أَذِنَ له أن يشفع فيه، فيُؤذَن لغيره أنْ يشفعَ فيه، فيكون الإذنُ للطَّائفَتَيْن، والنَّفع للمَشفوع له، ثُمَّ قال: فكما أنَّ الإذنَ للطائفتين، فالنفعُ أيضًا للطائفتين، فالشافعُ ينتفع بالشفاعة، وقد يكون انتفاعُه بها أعظمَ من انتفاع المشفوع له؛ ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح: (( اشفعوا تُؤجروا، ويَقضي الله على لسانِ نبيِّه - صلى الله عليه وسلم - ما يشاء ) ) [1] .
ولهذا كان من أعظم ما يكرم به الله عبدَه محمدًا - صلى الله عليه وسلم: هو الشفاعة التي يَخصُّه بها، وهي المقام المحمود الذي يَحمده به الأولون والآخرون، وعلى هذا لا تَحتاج الآية إلى حذف، بل يكون معناها: يومئذٍ لا تنفعُ الشفاعة لا شافعًا ولا مشفوعًا: {إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} [طه: 109] .
ولذلك جاء في الصحيح [2] أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( يا بني عبدمناف، لا أملك لكم من الله شيئًا، يا صفيةُ عَمَّةَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - لا أَمْلِكُ لك من الله شيئًا، يا عباسُ عَمَّ رسول الله، لا أَمْلِكُ لك من الله شيئًا ) ).
(1) تقدم.
(2) أخرجه البخاري (1365) .