الصفحة 12 من 47

لأحدٍ عند الله إلا بإذنه قدرًا، وبإذنه شرعًا، فلا بُدَّ أن يأذن فيها، ولا بد أن يجعل العبد شافعًا، فهو الخالقُ لفعله، المبيحُ له.

فمَن لم تُقبَل شَفاعته كانت كعَدَمِها، بل كان على صاحبها التوبة والاستغفار منها، كما قال نوح - عليه السَّلام: {قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الخَاسِرِينَ} [هود: 47] ، وذلك لأنه شفع لولده بطلب نَجاته من الغرق، كما نَهى الله النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة على المنافقين: {وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ} [التوبة: 84] ، وقال سبحانه: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} [المنافقون: 6] .

فالشفاعة المثبتة هي المقبولة، أمَّا المردودة فلا يُريدها أحد، لا الشافع، ولا المشفوع له، ولا المشفوع إليه، ولو علم الشافعُ والمشفوع له أنَّها تُرَدُّ، لم يطلبوها فلا بُدَّ للشفاعة من إذنٍ قدريٍّ يقدر لها الوقوع، وإذن شرعي يقدر لها القَبُول.

فالشفاعة المقبولة جاءت في سورة طه: {يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} [طه: 108] ، يعني إذنًا للشافع، ورضي قوله في المشفوع له، وفي سورة سبأ: {وَلاَ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [سبأ: 23] ؛ أي: لا تنفعُ شفاعةُ شافعٍ إلا لمأذون له، وهو المشفوع له الذي تنفعه الشفاعة.

ولذا جاء في الحديث: (( فيَحُدُّ لي حدًّا، فأشفع فيهم ) ) [1] ، وفي الحديث: (( يخرج من النار مَن قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يَزِنُ

(1) انظر:"صحيح البخاري" (4206) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت