الاستشهاد، ومنهم من أتى بالأمثلة دون أن يُحدد دلالته الاصطلاحية، إلا إشارات مقتضبة تضمَّنت دلالته الاصطلاحية التي لم تَختلف عن دلالته اللغوية كثيرًا" [1] ."
ومصداق قول الدكتور أحمد يحيى ما جاء عند الجاحظ ت 255 هـ؛ حيث قال:"لكل ضرب من الحديث ضرب من اللفظ، ولكل نوع من المعاني نوع من الأسماء: فالسخيف للسخيف، والخفيف للخفيف، والجزل للجزل، والإفصاح في موضع الإفصاح، والكناية في موضع الكناية، والاسترسال في موضع الاسترسال" [2] .
فالجاحظ هنا يتحدث عن مناسبة الألفاظ مع الأغراض، فيطابق بين المناسبة والقاعدة البلاغية التي تقتضي أن لكل مقام مقالًا، ومطابقةِ الكلام لمقتضى الحال، وهذا بطبيعة الحال جزء من المناسبة، وهو مناسبة النص للواقع الذي يُلقى فيه.
وقد جاء تعريف النويري أكثر نضوجًا من تعريف غيره من البلاغيين والمشتغلين بالأدب، فقد أوضح تعريفه معالم مصطلح التناسب؛ يقول:"هو ترتيب المعاني المتآخية التي تتلاءم ولا تتنافر" [3] .
وقد علَّق الدكتور أحمد يحيى على هذا التعريف قائلًا:"ومما يَلفت النظر في هذا التحديد وصفه المعاني بالمتآخية المتلائمة، وهي صفة توحي بخلوِّها مما يَعتريها من صفات تُخرجها عن طبقة البلاغة، ونراه أغفَل ذِكر الألفاظ، وهذا الإغفال متعمَّد ومقصود؛ إذ إن المعاني هي التي تتطلب الألفاظ، وكثيرًا ما نرى من أهل البلاغة مَن يشير إلى مصطلح المعاني ويريد به التركيب، على اعتبار أن بناء الكلام يحتاج إلى ركنين، هما المفردات والمعاني المراد توصيلُها" [4] .
يقول الدكتور طارق مصطفى محمد:"وإذا انشغل أكثر البلاغيين والمفسرين؛ كالجرجاني، وصاحب الكشاف، وصاحب التحرير والتنوير، وغيرهم - بالنظم داخل الآية القرآنية المفردة غالبًا، أو بين الآيات المتجاورة، فإن علم التناسب ينظر إلى"النظام"الرابط بين أجزاء السورة جميعها، بل يمتد إلى القرآن كله، ومِن ثَم فإن من تمام بلاغة القرآن وبلاغه المبين أن يُتعامل معه باعتباره وَحدةً واحدة؛ ولذلك تؤكد بعض التعريفات السابقة أن السورة وحدة واحدة، بل إن"
(1) التناسب في سورة محمد: دراسة بلاغية؛ للدكتور أحمد يحيى محمد، ص 4.
(2) الحيوان؛ للجاحظ، ج 3، ص 17.
(3) نهاية الأرب؛ للنويري، ج 7، ص 107.
(4) التناسب في سورة محمد: دراسة بلاغية؛ للدكتور أحمد يحيى محمد، ص 6.