يقول الدكتور مشهور موسى في تعليقه على المناسبة في هذه الآية:"إن التناسب في هذا المقام هو على أساس المدح، والفصل كذلك في أمر دار خلاف طويل حوله، يشير إلى ذلك حديث عروة مع أم المؤمنين عائشة، حين قال لها: ما أرى على أحد شيئًا ألا يَطوَّف بهما، فقالت لو كان كما تقول، كان فلا جُناح عليه ألا يَطوَّف بهما" [1] .
النموذج الثاني:
ومثال آخر لهذا النوع من المناسبة تتحقق فيه هذه المناسبة على أساس تشوُّف سؤال، وهو قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} [آل عمران: 91] .
ذكر الإمام البقاعي أن السامع لَمَّا تشوَّف إلى معرفة مصير الذين كفروا وماتوا على كفرهم، وما يحل بهم، أُجيب بقوله تعالى: {أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} ، وبهذا يكون ختامها قد ارتبط برابط مع حُسن أولها [2] .
فالله عز وجل بدأ الآية بإخبار، فقال: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ} ، وهذا الإخبار مُشوِّق يتشوَّف السامع من خلاله لأن يسأل سؤالًا مفاده: ما مصيرهم يا رب؟! فيأتي الجواب أنهم لن يُقبل منهم مِلء الأرض ذهبًا لو أَتَوْا به لفداء نفوسهم من العذاب الواقع بهم، وطالَما أن الفداء قد رُفِض رفضًا قاطعًا - عن طريق لن والفعل المضارع الذي يفيد التجدد والاستمرار، فقوله: {فَلَنْ يُقْبَلَ} مُفاده تأبيد النفي واستمراه وتجدُّده - فإن مصيرهم المحتوم هو العذاب الأليم.
من الراسخ في الذهن أن فواتح السور القرآنية تَحمل براعة استهلال معجزة، فهي أول شيء يقع على السمع، ومِن ثَمَّ فخاتمة السور كذلك لا تقل عنها إعجازًا؛ إذ هي آخر ما يسمعه
(1) التناسب القرآني عند البقاعي؛ للدكتور مشهور موسى، ص 95.
(2) نظم الدرر؛ للبقاعي، ج 4، ص 478 وما بعدها، بتصرف يسير.