الصفحة 23 من 42

السامع من السورة، وقد ذكر السيوطي أن الخواتم تأتي متضمنة المعاني البديعية مع إيذان السامع بانتهاء الكلام؛ حتى لا يبقى معه للنفوس تشوُّف إلى نقصٍ يُريد تمامًا [1] .

النموذج الأول:

ومن أمثلة هذا المناسبة قوله تعالى في ختام سورة الأنعام: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنعام: 164، 165] .

ذكر الإمام البقاعي أن ختام سورة الأنعام جاء في غاية التناسب مع أولها، فالاستفهام في الآية الخاتمة للسورة تعجبُّي استنكاري، يستنكر ممن يتخذ ربًّا غير الله، مع كونه قد خلق السموات والأرض، وجعل الظلمات والنور، وهذان صنيعان يستوجبان الشكر الدائم لا العصيان، فقال في مطلع السورة: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [الأنعام: 1] .

يقول البقاعي:"يُسرع العالي إلى عقوبة السافل! فأُجيب بأن الله فوق الكل، وهو أسرع عقوبة، فهو قادر على أن يُسلِّط الوضيع أو أحقر منه على الرفيع، فيُهلكه، ثم رغَّب بعد هذا الترهيب في العفو بأنه على غناه عن الكل، أسبل ذيلَ غفرانه ورحمته بإمهاله العُصاة، وقَبوله اليسير من الطاعات بأنه خلق السموات والأرض، وجعل الظلمات والنور منافعَ لهم، ثم هم به يَعدلون! ولولا غفرانه ورحمته، لأسرع عقابه لمن عدل به غيره، فأسقط عليهم السموات وخسَف بهم الأرض التي أنعم عليهم بالخلافة فيها، وأذهب عنهم النور، وأدام الظلام، فقد ختم السورة بما به ابتدأها، فإن قوله: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ} [الأنعام: 165] هو المراد بقوله: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ} [الأنعام: 2] ، وقوله: {أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: 164] ، هو معنى قوله: {خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [الأنعام: 1] " [2] .

(1) الإتقان؛ للسيوطي، ج 2، ص 292 وما بعدها.

(2) نظم الدرر؛ للبقاعي، ج 7، ص 346.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت