النموذج الثاني:
ومثال آخر لهذا النوع من المناسبة، وهو قوله تعالى في ختام سورة الروم: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ} [الروم: 60] .
فالله سبحانه وتعالى يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصبر، ويذكر أن وعد الله حق، وهو واقع لا مَحالة، ويُحذره من فتنة هؤلاء المنافقين والكافرين، وذلك بحمْلهم النبيَّ على الخفة والقلق جزعًا مما يقولون، فهؤلاء قوم ليس لديهم يقين، منافقون، فهم شاكُّون بطبعهم؛ يُزلزلهم أيُّ شيء، ويُكذبون نصر الله لأوليائه المؤمنين، ودليل ذلك تكذيبهم وعد الله للمؤمنين بنصر الروم وهزيمة الفرس، فتَراهم كأنهم على بيِّنة وثقة من أمرهم - وهو أن نصر الروم لن يحدث - وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على مدى طمْس الله على قلوبهم وإغلاقها عن الحق، وبهذا يكون قد عطف آخر الآية على أولها: {الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ} [الروم: 1 - 4] .
فالله بعد أن ذكر هزيمة الروم وعد المؤمنين بنصرهم على الفرس في بضع سنين، وأن الأمر كله بيد الله عز وجل، وفي آخر السورة أمر الله نبيَّه بالصبر وأكَّد وعده بالنصر - {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ} - فالأمر بالصبر يكون على نبأ هزيمة الروم، واستهزاء الكفار والمنافقين بتأخُّر النصر، وذلك جاء آخر السورة، وتأكيد الوعد بنصر الروم، وهزيمة الفرس، يكون متصلًا بإخبار الله النبيَّ بنصر الروم وهزيمة الفرس في أول السورة: {وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ} [الروم: 3] .
وكما قال البقاعي:"عطف الحبيب على الحبيب، واتصل به اتصال القريب بالقريب، والْتَحَم التحام النسيب بالنسيب" [1] .
(1) السابق نفسه، ج 15، ص 139.