{وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118) } [1] .
وجه الاستدلال بهذه الآية الكريمة أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - آخر الصحابة (كعب بن مالك، ومالك بن أمية - ومرارة بن الربيع) فلم يقض فيهم بشيء حتى قضى الله فيهم، فأمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - المسلمين بهجرهم، و كان هذا الهجر بمثابة التعزير لهم [2] .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (هجره صلى الله عليه وسلم أصحابه الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، و هم كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، و هلال بن أمية، ثم صفح عنهم بعد نزول القرآن في قبول توبتهم) [3] .
إن هجرة صلى الله عليه وسلم للثلاثة الذين تخلفوا، و أمره أصحابه - رضوان الله عليهم - بهجرهم الدلالة الواضحة على مشروعية التعزير، لأن الهجر نوع من أنواع التعزير المعنوي.
تعد السنة النبوية الشريفة الأصل الثاني لشرعية عقوبة التعزير، والذي يسمح لولي الأمر أو من يقوم مقامه بأن يقنن العقوبات التعزيرية الأمر الذي يسهم في ضبط نظام التعزير، و يساعد إلى حد بعيد على مد يد القاضي بالنظم اللازمة للوصول إلى الأحكام العادلة، و الملائمة في هذا المجال. و السنة حافلة بالعقوبات التعزيرية، التي يمكن الاعتماد عليها كدليل شرعي لعقوبة التعزير، و أهم تلك الأحاديث ما يلي:
أ ما روي عن أبي بردة الأنصاري [4] - رضي الله عنه - قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (لا يجلد فوق عشر جلدات إلا في حد من حدود الله) [5] .
ب عن عبد الرحمن بن جابر أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (لا عقوبة فوق عشر ضربات إلا في حد من حدود الله) [6] .
(1) - سورة التوبة، الآية 118.
(2) - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، الهيئة العامة للكتاب، الطبعة الثالثة، مصورة عن الطبعة الثانية 1987 م، ج 8/ 281 وما بعدها، تفسير ابن كثير، دار المعرفة للطباعة، والنشر، بيروت 1388 هـ، ج 2/ 389.
(3) - السياسة الشرعية لابن تيمية، ص 120.
(4) - أبو بردة الأنصاري هو أبو بردة بن يناز الأنصاري شهد بدرًا و ما بعدها، روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وروى عنه البراء بن عازب و جابر بن عبد الله، مات عليه رحمة الله في سنة 41 - في أول خلافة معاوية - رضي الله عنه - بعد أن شهد مع علي - رضي الله عنه - حروبه كلها، مات سنة 41 هـ وقيل سنة 42 هـ (انظر الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني، مطبعة السعادة، مصر 1328 هـ، ج 4/ 191) .
(5) - صحيح البخاري، محمد بن إسماعيل البخاري، تحقيق مصطفى البغا، دار ابن كثير، اليمامة، الطبعة الثالثة سنة 1407 هـ، كتاب الحدود - باب كم التعزير و الأدب، ج 6/ 2512 - المنتقى لابن جارود، مؤسسة الكتاب الثقافية، بيروت 1408 هـ، تحقيق عبد الله عمر البارودي رقم الحديث 850، ص 216. سنن أبي داود، سليمان بن الأشعث السجستاني، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد دار الفكر، بيروت لبنان، باب في التعزير، ج 4/ 176.
(6) - صحيح البخاري، كتاب الحدود، باب كم التعزير و الأدب، ج 6/ 2512.