أما كان التعزير يخص حق من حقوق العباد، فإن لصاحب الحق فيه أن يتركه بالعفو أو بغيره، و هو يتوقف على رفع الدعوى إلى القضاء، ولكن إذا طلبه صاحبه لا يكون لولي الأمر أو من ينوبه عفو، و لا شفاعة، و لا إسقاط. [1]
لقد ميزت الشريعة الإسلامية الغراء ما بين المكلفين، و غير المكلفين في العقوبات، وغيرها من الأمور الشرعية، فتأثير المسؤولية الجنائية تختلف باختلاف المراحل التي يمر بها الإنسان عبر عمره من بداية ولادته إلى بلوغه سن الرشد، و كمال العقل.
-فالمرحلة الأولى: تبدأ من الولادة، و تنتهي ببلوغه سبع سنين، وفي هذه المرحلة لا مسؤولية جنائية لانعدام الإدراك، لكنه لا يعفى من المسؤولية المدنية، لأن الأعذار الشرعية لا تسقط الضمان، و إن سقطت العقوبة.
-المرحلة الثانية: تبدأ ببلوغ الصبي سبع سنين، و تنتهي ببلوغ الصبي الحلم. و الصبي المميز في هذه المرحلة لا يسأل عن المسؤولية الجنائية في الجريمة الحدية أو القصاص، و إنما قد يعزر تعزيرًا وفق الظروف المحيطة بالجريمة و أركانها.
-أما بالنسبة للمجنون: فهو ضامن لأفعاله باتفاق أهل العلم، وهو مسؤول عنها مسؤولية مدنية، و هو ملزم بتعويض ما قد ينشأ عن فعله الجرمي من ضرر تعويضًا كاملًا، بيد أن الفقهاء اختلفوا في مدى تلك المسؤولية مسؤولية جنائية في جرائم القتل و الجرح.
فذهب جمهور الفقهاء (الحنفية و المالكية و الحنابلة) إلى أن عمد المجنون خطأ تلزمه بسببه الدية المخففة و تحملها العاقلة. أما الشافعية: فيرون أن عمد المجنون يوجب الدية المغلظة في ماله. [2]
وعلى هذا فالتعزير يجوز إيقاعه على غير المكلف كالمجنون، والصبي المميز، لأن التعزير إنما شرعت للزجر و التأديب.
إن جرائم القصاص و الحد لا تختلف باختلاف الزمان و المكان أو العادات و التقاليد، فعقوبة الحد و القصاص واحدة في كل الأزمان، والأمكنة لجميع العصور و البلدان و الأشخاص.
أما العقوبات التعزيرية: فإنها تختلف باختلاف الأشخاص الأزمنة، و الأمكنة و العادات والتقاليد للبلدان و الشعوب، فرب تعزير في أمصار يكون إكرامًا في بلد آخر كقلع غطاء الرأس في بلاد الشام يعتبر إكرامًا. أما في بلاد العراق فهو هوان.
(1) - و هذا رأي جمهور الفقهاء (مالك و أبو حنيفة و أحمد، انظر الفقه الإسلامي و أدلته، د. وهبة الزحيلي، ج 6/ 20.
(2) - انظر المغني لابن قدامة، ج 9/ 375 - الأم للشافعي، مطبعة الشعب - مصر، ج 6/ 24 - مباديء التشريع الجنائي الإسلامي، د. محمد المدني بوساق، الطبعة الأولى 1418 ه، ص 176