الفرع الثاني - أوجه الاختلاف ما بين التعزير، و غيرها من العقوبات الشرعية.
هناك أوجه اتفاق كبيرة، و عديدة ما بين العقوبات التعزيرية، وغيرها من العقوبات الشرعية، و لعل أهمها ما يلي:
1 -إجازة العفو و الشفاعة: إن الحد و التعزير يجوز فيهما العفو الشفاعة وفق التفصيل التالي:
يجوز للمجني عليه و لولي الدم أن يعفو عن الجاني بالقصاص، فيما دون النفس. و كذلك الأمر في التعزير حيث يحق للإمام أو القاضي أو المجني عليه أن يعفو عن الجاني كقاعدة عامة، وحسب كل قضية و ظروفها و طرفيها [1] .
2 -أعلى عقوبة بهما القتل: فالقصاص أعلى عقوبة فيه هو القتل، وكذلك عقوبة التعزير قد تصل عقوبته إلى القتل إذا كانت المصلحة الشرعية تدعوا إلى ذلك.
لهذا قال الإمام ابن تيمية - عليه رحمة الله: (من تكرر منه فعل الفساد، و لم يرتدع بالحدود المقدرة بل استمر على ذلك الفساد، فهو كالصائل الذي لا يندفع إلا بالقتل، فيقتل) [2] .
و من ذلك جوز العلماء قتل الجاسوس المسلم [3] و المكثر من اللواط [4] و المبتدع الذي يدعو إلى الأفكار الضالة، و أمثال ذلك من الأفعال الخطيرة بالمجتمع، و أفراده.
3 -التخيير في اختيار العقوبة: إن التخيير بالقتل أو الدية أو العفو مطلقًا أو الصلح على المال يدخل في القصاص على حسب ما يراه ولي الدم، و كذلك الأمر فالتخيير في اختيار العقوبة يعود للإمام، و القاضي في العقوبات التعزيرية مطلقًا [5] .
ذكر الإمام القرافي [6] - عليه رحمة الله - في كتابة القيم الفروق، وغيره من أهل العلم [7] ، أن الفروق بين الحد، و التعزير عشرة فروق، وقد رأيت أن لابد من ذكرها، و محاولة الزيادة عليها، وفقًا للتالي:
(1) - انظر المغني لابن قدامة، ج 8/ 286. بدائع الصنائع، ج 7/ 63. المهذب للشيرازي، ج 2/ 288.
(2) - الفتاوى الكبرى لشيخ الإسلام ابن تيمية، دار المعرفة، بيروت لبنان، ج 4/ 601.
(3) - هذا أحد رأيي الإمام أحمد بن حنبل الذي اختاره ابن عقيل الحنبلي، انظر تبصرة الحكام لابن فرحون، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى 1301 هـ، ج 2/ 94. و الحدود والتعزيرات عند ابن القيم للشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد، دار العاصمة الرياض عام 1415 هـ، ص 488. الطرق الحكمية لابن قيم الجوزية، طبعة الاتحاد الشرقي، دمشق، سنة 1375 هـ، ص 307.
(4) - الطرق الحكمية لابن القيم الجوزية، ص 206 ـ الحدود و التعزيرات عن ابن القيم للشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد، ص 485
(5) - انظر الفروق الفقهية لأبي الفضل مسلم بن علي الدمشقي، دراسة و تحقيق محمد أبو الأجفان و حمزة أبو فارس و الأرناؤوط، دار الغرب الإسلامي، ج 4/ 182.
(6) - الفروق: للإمام شهاب الدين أبي العباس أحمد بن أدريس، المشهور بالقرافي واسم الكتاب"أنوار البروق في أنواء الفروق"لكنه اشتهر بالفروق، وهو في القواعد الفقهية، والفروق بين المسائل و المواضيع المتاشبهة مع بيان أحكامها على المذهب المالكي، والمقارن أحيانًا مع بقية المذاهب، ويشتمل الكتاب على 274 فرقًا فيها 540 قاعدة، وضع فيها المؤلف القواعد المؤلف القواعد الفقهية، وما يناسبها من الفروع. انظر الفروق ومعه إدرار الشروق على أنواء الفروق، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، الطبعة الأولى، عام 1415 هـ.
(7) - الفروق للإمام أحمد بن إدريس الصنهاجي القرافي، معه إدرار الشروق على انواء الفروق، ضبط خليل المنصور، دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة الأولى 1418 هـ، ج 4/ 319 - التعزير في الإسلام، أحمد فتحي بهنسي، مؤسسة الخليج العربي، 96 وما بعدها - حاشية ابن عابدين، ج 3/ 274_ الغفه الإسلامي و أدلته، د. وهبة الزحيلي، دار الفكر، دمشق، الطبعة الثالثة 1409 هـ، ج 6/ 18، و ما بعدها.