فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 38

فهم- من جهة- بمنزلة رسول واحد، يتجدد مع الزمن في صورة من ظهر منهم من الرسل .. وهم- من جهة أخرى- رسل كثيرون يجيء بعضهم إثر بعض في صورة رسول .. إذ لا يختلف أحد منهم عن صاحبه في مفهوم الرسول، وفى مضمون رسالته ومحتواها ..

فهم رسل في رسول، وهم رسول في رسل! قوله تعالى: {وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْدًا لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ} .

أي أن هؤلاء القوم لم يتركوا وراءهم في هذه الدنيا خيرا يذكرون به،

ولم يخلّفوا أثرا طيبا ينتفع به الناس بعدهم .. وإنما الذي تركوه هو ما يشهد عليهم بالبغي والضلال، والفساد في الأرض .. فكل من يمر بديارهم، أو يستمع إلى أخبارهم، لا يجد منهم إلا ريحا خبيثة، تجعله ينفر منها، ويلعن الجهة التي صدرت عنها .. «وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة» أي تبعتهم اللعنات بعد أن تركوا هذه الدنيا، وذلك هو بعض ما غرسوا فيها من شر، إذ لم تكن لهم صالحة فيما غرسوا ..

وكذلك شأنهم في الآخرة .. فإن أهل الإيمان، إذ يرون ما ساق إليهم إيمانهم من نعيم ورضوان، يجدون لذة إلى لذة في أن يذكروا أهل الكفر، وما ركبوا في دنياهم من ضلال، وأن يرموهم باللعنة إذ فوّتوا على أنفسهم هذا المقام الكريم، وباعوها في الدنيا بثمن بخس رذل! وفى هذا يقول الله تعالى:

«وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ قالُوا نَعَمْ .. فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ» (44: الأعراف) - وفى قوله تعالى: «أَلا إِنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْدًا لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ .. »

تشهير بالقوم، وإذاعة لجريمتهم في الناس، واستدعاء لكل ذي سمع ونظر، أن يشهد هؤلاء القوم، وينظر إليهم وهم متلبسون بهذا الجرم الغليظ، فلا يقول فيهم إلا ما يسوءهم ويخزيهم. [1]

تفسير إجمالي لهذه الآيات:

لقد هلكت عاد لأنهم اتبعوا أمر كل جبار عنيد، هلكوا مشيعين باللعنة في الدنيا وفي الآخرة [2]

كونهم يستأهلون هذا الهلاك بسبب طغيانهم واستكبارهم ولذلك جاء تفظيع حلهم للاعتبار بقصتهم مع نبيهم هود عليه السلام، ولعل وصفهم بقوم هود في قوله تعالى أَلا بُعْدًا لِعادٍ قَوْمِ

(1) التفسير القرآني للقرآن (ج 6/ص 1158/ 1159/1160)

(2) ظلال القران (ج 4/ص 1901) لسيد قطب إبراهيم حسين الشاربي (المتوفى: 1385 هـ) الطبعة: السابعة عشر - 1412 هـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت