و ربما تكون تلك الأسباب مجتمعة هي التي جعلت الصلاة هنا بجوار البيت المعظم لها طعم أخر حيث مضاعفة الأجور كما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -"صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة"، قال حسين: فيما سواه [1]
و من روحانيات التلبية: أن الأنبياء والمرسلون كانوا يعلنون بالتوحيد لبيك لا شريك لك وإن كانوا معصومين منه {مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا} [يوسف: 38] وهذا الإعلان من باب التلذذ باللهج بالتوحيد ولكل موحد منا أن يقتدي بهم فيستشعر فضل الله عليه وتلك الأسرة الكريمة التي خلد الله تعالى ذكرها بجعل أثارها مناسك حج البيت فالبيت بناه إبراهيم -عليه السلام- بمعاونة ولده إسماعيل - عليه السلام -و زمزم كان سببها السعي بين الصفا والمروة من أثار هاجر عليها السلام
وأما نفع ذلك الحب في الأخرة فهو أن يحشر معهم كما في قوله {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69]
و في الحديث الشريف «الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [2]
فالتلبية تحرك مشاعر الحب لهم ولأثارهم ولا يخفى أن هذا الحب ينفع صاحبه في الدنيا والأخرة
أما في الدنيا فلان الحب يعين على الاقتداء بل يدفع للاقتداء بالمحبوب
(1) - إسناده صحيح من جهة حسين بن محمد، وحسن من جهة عبد الجبار ابن محمد، وعبد الجبار هذا روى عنه جمع، وذكره ابن حبان في"الثقات"، وباقي رجال الإسناد ثقات رجال الشيخين. عبد الكريم: هو ابن مالك الجزري.
وأخرجه ابن ماجه (1406) من طريق زكريا بن عدي، والطحاوي في"شرح مشكل الآثار" (599) من طريق علي بن معبد، وابن عبد البر في"التمهيد"6/ 27 من طريق حكيم بن سيف، ثلاثتهم عن عبيد الله بن عمرو، بهذا الإسناد. وفي رواية الطحاوي:"وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مئة"
صلاة فيما سواه"قال الطحاوي عقبه: كأنه يعني مسجده عليه السلام. وقال السندي: قوله:"من مئة ألف صلاة"قيل: كذا في بعض الأصول، وفي بعضها من مئة صلاة، وهاتان الروايتان في ابن ماجه أيضا، قلت: والتوفيق بينهما بحمل مئة صلاة على أنها مئة بالنظر إلى مسجده صلى الله عليه وسلم فصارت مئة ألف بالنظر إلى المساجد الأخرى، والله تعالى اعلم."
(2) - سنن الترمذي ت بشار (5/ 436)