الفصل الرابع
مع قول الملبي"إن الحمد والنعمة لك والمُلْك"
مِن هذا النص يَتربَّى الحاجُّ على أعلى المقامات الإيمانيَّة، وهو مقام الشكر والحمد ونِسبة النِّعَم للربِّ -عز وجل -فيَحمده على النِّعَم الظاهِرة والباطنة، والمُشاهَدة والغائبة.
إن الحمد والنِّعمة لك؛ أي: أحمدك -يا ربِّ -وأَشكُرك على جميع النِّعَم، بل إن قولي:"الحمد لله"أكبر نِعَم الله عليَّ، والتي تَستحِق منِّي الحمد.
كما قال الشاعر:
لك الحمدُ مَوْلانا على كلِّ نِعمَةٍ ***ومِن جملةِ النَّعماءِ قولِي: لك الحمدُ
فلا حمدَ إلا أن تَمُنَّ بنِعمَةٍ ***تعالَيتَ لا يَقوى على حَمدِك العبدُ.
فعندما يُردِّد الحاجُّ هذا النصَّ في التلبية، فإنه يَنال وسام الشرف، فيَنطبِق عليه قول الله - عز وجل: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ: 13] ، فيكون هو مِن القِلَّة الذين يَشكرون الله - تبارك وتعالى.
وعندما يَستفيد الحاج مِن تَكرار التلبية، ويُحدِث فيه التَّكرارُ المعنى التغييريَّ الإيمانيَّ القلبيَّ يَدخل في جملة الشاكرين، فما بال أقوام شُغلوا بالحمد والثناء على البشر، ونَسوا مُستحِقَّ الحمد الحقيقيَّ؟ وما بال أقوام يَعلمون أن نِعمة العقل مثلًا مِن الله، فيَستخدِمونها في معصية الله، وكذلك كل نِعمة؟ أفَلا يَخافون أن يَسحب الله المُنعِم منهم هذه النِّعم! {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} [النحل: 53] .
علي بن أبي طالب -رضي الله عنه -
لَكَ الحَمدُ والنَّعْمَاءُ والمُلكُ رَبَّنا ... ولا شَيءَ أعلَا مِنكَ مَجدًا وأمجَدُ
مَلِيكٌ على عَرشِ السَّماءِ مُهيمِنٌ ... لِعِزَّتِهِ تَعنُو الوُجُوهُ وَتَسجُدُ
فَسُبحانَ مَنْ لا يَقدُرُ الخلْقُ قَدرَهُ ... وَمَنْ هُوَ فَوقِ العَرشِ فَردٌ مُوحَّدُ
وقال بعض الحكماء: إن الله تعالى لا يرضى عن خلقه إلا بتأدية حقه، وحقه شكر النعمة، ونصح الأمة، وحسن الصنيعة، ولزوم الشريعة.