الطراز الأول، فالبصرة كما سيتضح معنا هي التي شادت صرح النحو ورفعت أركانه، بينما كانت الكوفة مشغولة عن ذلك كله ولم تنهض إلاّ متأخرة على الأقل بقرن من الزمان (المدارس النحوية:20) وقد قال ابن سلام عن ذلك: كان لأهل البصرة في العربية قدمة وفي لغات العرب والغريب عناية"ويقول ابن النديم في الفهرست: إنّما قدمت البصريين أولًا لأنّ علم العربية عنهم أُخِذ".
وبعد سيبويه ظهر نحاة كبار ارتقوا بالمصطلح النحوي البصري، فصقلوا ما نقلوا، وزادوا على ما وجدوا، وطوروا وابتكروا، ووفوا المصطلح حقه من الدقة والإيجاز والوضوح. ومنهم قطرب محمد بن المستنير (ت: 206 هـ) والأخفش الأوسط سعيد بن مسعدة (ت: 211 هـ) وأبو عمر الجرمي صالح بن إسحاق (ت: 225) وأبو عثمان المازني بكر بن محمد (ت: 249 هـ) فقد استطاع هؤلاء البصريون بمناقشاتهم الخصبة أن يرقوا بمصطلحات النحو إلى مرحلة من النضج قاربت الكمال وفي هذه الحقبة نفسها ظهر نحاة الكوفة وأبرزهم علي بن حمزة الكسائي (ت: 189) ويحيى بن زياد ا لفراء (ت: 207 هـ) وأبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب (ت: 291 هـ) . وحاولوا أن يصوغوا آراءهم بمصطلحات جديدة، فلم يصيبوا إلا حظا يسيرا من التوفيق. ودل الدرس النحوي على أن مصطلح الكوفيين للمواد النحوية مصطلح لا يتصف بالشمول والسعة. وعلى أن الكوفيين يفتقرون إلى الإحكام في اصطلاحهم. وآية ذلك أن المصطلح الواحد عندهم يدل على موضوعات عدة كمصطلح التفسير الذي يعني عندهم التمييز والمفعول لأجله. وآيته كذلك أن نحاة بغداد ومصر والأندلس في القرن الرابع الهجري والقرون التي أعقبته آثروا مصطلح البصرة على مصطلح الكوفة فيما صنفوا، وأن ابن يعيش وابن هشام الأنصاري، وأبا حيان الأندلسي وجلال الدين السيوطي وأمثالهم استطاعوا أن يكتبوا باصطلاحات البصرة أضخم كتب النحو في لغة العرب.
وربما نرجع غلبة الاصطلاح البصري إلى مجموعة من الأسباب:
1 -وثوق العلماء والدارسين بالمنهج الذي اتبعته مدرسة البصرة في السماع والقياس.
2 -متانة علمهم وشموله المتمثلة في مؤلفاتهم في هذا الباب.
3 -عامل الاستقرار السياسي في البصرة.