الليلة لربي» قلت: والله إني لأحب قربك، وأحب ما سرك، قالت: فقام فتطهر، ثم قام يصلي، قالت: فلم يزل يبكي حتى بل حجره، قالت: ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بل لحيته، قالت: ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بل الأرض، فجاء بلال يؤذنه بالصلاة، فلما رآه يبكي، قال: يا رسول الله، لم تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم وما تأخر؟، قال: «أفلا أكون عبدا شكورا، لقد نزلت علي الليلة آية، ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها (إن في خلق السموات والأرض) الآية كلها" [1] ."
؟؟؟؟؟ يقول الأستاذ سيد قطب:"إن القرآن ليس كتاب علم نظري أو تطبيقي ينتفع به كل من يقرؤه ويستوعب ما فيه. إنما القرآن كتاب يخاطب القلب، أول ما يخاطب؛ ويسكب نوره وعطره في القلب المفتوح، الذي يتلقاه بالإيمان واليقين. وكلما كان القلب نديًا بالإيمان زاد تذوقه لحلاوة القرآن؛ وأدرك من معانيه وتوجيهاته مالا يدركه منه القلب الصلد الجاف؛ واهتدى بنوره إلى ما لا يهتدي إليه الجاحد الصادف. وانتفع بصحبته ما لا ينتفع القارئ المطموس!"
وإن الإنسان ليقرأ الآية أو السورة مرات كثيرة، وهو غافل أو عجول، فلا تنض له بشيء؛ وفجأة يشرق النور في قلبه، فتتفتح له عن عوالم ما كانت تخطر له ببال. وتصنع في حياته المعجزة في تحويلها من منهج إلى منهج، ومن طريق إلى طريق [2] .
وتغير السلوك نتيجة طبيعية لتدبر العقل وتأثر القلب، وهي نتيجة لابد منها إذا أردنا أن يكون تدبر العقل وتأثر القلب مثمرين، وإلا فلا قيمة للتدبر والتأثر، ولن يعدو ـ حينئذ ـ أن يكون ترفا عقليا يكون من ملح العلم وليس من صلبه.
ولنا أن نقف وقفة متأنية مع الجيل الأول الذي عايش الوحي وعاصر التنزيل، وكيف تعهده هذا الكتاب ـ منذ نعومة أظفاره ـ إلى أن جعل منه قادة وأئمة في الخير والهدى والصلاح والإصلاح.
(1) صحيح بن حبان: (622) .
(2) في ظلال القرآن: 5/ 2626.