الصفحة 17 من 27

ثامنا: تربية العقل على التدبر[1]:

يركز القرآن الكريم على الاهتمام بالعقل، ومن هنا نجده في مئات الآيات ينوه بالعقل وأهميته، فنجد هذه المادة:"عقل"في كثير من الآيات، وكذلك كلمات عديدة كُرِّرَتْ كثيرًا في القرآن، مثل: يتدبرون، يتفكرون، يتذكرون، أولو الألباب، وغيرها.

وحسبنا أن الإسلام جعل العقل مناط التكليف، فمن لا عقل له فلا تكليف عليه، حتى من كان في حكم من لا عقل له ولو بعض الوقت، مثل السكران، والغضبان غضبا مغلقا، والمغمى عليه، لا يؤاخذ بما فعل ولا يكلف في هذا الوقت.

وحسبنا أيضا أن أخطر قضيتين في الوجود أثبتتا عن طريق العقل، وهي قضية الوحي والنبوة، أو قضية الإيمان عموما، ومن الأمور التي وقف عندها الأستاذ سيد قطب تفسيره للآية رقم: 165 من سورة النساء:"رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا".

قال:"إن دور هذا العقل أن يتلقى عن الرسالة؛ ووظيفته أن يفهم ما يتلقاه عن الرسول. ومهمة الرسول أن يبلغ، ويبين، ويستنقذ الفطرة الإنسانية مما يرين عليها من الركام. وينبه العقل الإنساني إلى تدبر دلائل الهدى وموحيات الإيمان في الأنفس والآفاق؛ وأن يرسم له منهج التلقي الصحيح، ومنهج النظر الصحيح؛ وأن يقيم له القاعدة التي ينهض عليها منهج الحياة العملية، المؤدي إلى خير الدنيا والآخرة إن هذه الرسالة تخاطب العقل. . بمعنى أنها توقظه، وتوجهه، وتقيم له منهج النظر الصحيح. . لا بمعنى أنه هو الذي يحكم بصحتها أو بطلانها، وبقبولها أو رفضها، ومتى ثبت النص كان هو الحكم؛ وكان على العقل البشري أن يقبله ويطيعه وينفذه؛ سواء كان مدلوله مألوفًا له أو غريبًا عليه. ."

إن دور العقل - في هذا الصدد - هو أن يفهم ما الذي يعنيه النص. وما مدلوله الذي يعطيه حسب معاني العبارة في اللغة والاصطلاح. وعند هذا الحد ينتهي دوره. . إن المدلول الصحيح للنص لا يقبل البطلان أو الرفض بحكم من هذا العقل. فهذا النص من عند الله، والعقل ليس إلهًا يحكم بالصحة أو البطلان، وبالقبول أو الرفض لما جاء من عند الله" [2] ."

(1) لأستاذنا الدكتور صلاح الدين سلطان منهجية في التعامل مع القرآن تقول:"يجب أن نعيش مع القرآن الكريم بالعقل تدبرا وبالقلب تأثرا وبالنفس تغيرا".

(2) في ظلال القرآن: 2/ 806 - 807.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت