العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها وحكمة كلها؛ فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل؛ فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أتم دلالة وأصدقها، وهي نوره الذي به أبصر المبصرون، وهداه الذي به اهتدى المهتدون، وشفاؤه التام الذي به دواء كل عليل، وطريقه المستقيم الذي من استقام عليه فقد استقام على سواء السبيل، فهي قرة العيون وحياة القلوب ولذة الأرواح" [1] ."
ومما يوضح قيمة القرآن في حياة الإنسان أنه بين له طريق الهداية، وذكر له طريق الغواية، ولم يجبره على اختيار أحدهما، بل أعطاه حرية الرأي، ومنحه إرادة الاختيار، مع ذكر مصير كل طريق منهما؛ كي تتحقق صفة العدالة الإلهية في الحساب يوم القيامة، ومما يعبر عن ذلك من القرآن الكريم:
قوله تعالى:"َنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا. قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا". الشمس: 7 - 10.
وقوله تعالى:"إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا. إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا. إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَا وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا. إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا". الإنسان: 2 - 5.
وقوله تعالى:"وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ". الأنعام: 153.
وفي السنة الشريفة يبين النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هذا الأمر بطريقة طريفة عبر الرسم البياني أمام الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ وهي طريقة تعليمية مبتكرة؛ فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ خَطًّا ثُمَّ قَالَ:"هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ"، ثُمَّ خَطَّ
(1) إعلام الموقعين عن رب العالمين: 3/ 3. تحقيق: طه عبد الرءوف سعد. دار الجيل - بيروت، 1973 م.