خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ ثُمَّ قَالَ:"هَذِهِ سُبُلٌ قَالَ يَزِيدُ مُتَفَرِّقَةٌ عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ ثُمَّ قَرَأَ {إِنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} " [1] .
وغيرها من الآيات والأحاديث الكثيرة التي توضح سبيل الغواية وطريق الهداية مع ذكر عاقبة كل طريق ومغبة كل اختيار؛ ليكون الإنسيان على بصيرة من أمره، وعلم من اختياره؛ ليختار ـ حين يختار ـ على يقين وحكمة وبصيرة.
وفي رواية معبرة في هذا المقام يسوقها القرافي في فروقه أن شيخا قام إلى علي رضي الله عنه بعد انصرافه من صفين فقال: أخبرنا عن مسيرنا إلى الشام أكان بقضاء الله تعالى وقدره؟
فقال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما وطئنا موطئا ولا هبطنا واديا ولا علونا تلعة إلا بقضاء وقدر.
فقال الشيخ: عند الله أحتسب عنائي ما أرى لي من الأجر شيئا.
فقال له: مهْ أيها الشيخ! عظم الله أجركم في مسيركم وأنتم سائرون، وفي منصرفكم وأنتم منصرفون، ولم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين ولا إليها مضطرين.
فقال الشيخ: كيف والقضاء والقدر ساقانا؟
فقال: ويحك! لعلك ظننت قضاء لازما وقدرا حتما، لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب، والوعد والوعيد، والأمر والنهي، ولم تأت لائمة من الله لمذنب، ولا محمدة لمحسن، ولم يكن المحسن أولى بالمدح من المسيء، ولا المسيء أولى بالذم من المحسن، تلك مقالة عبدة الأوثان وجنود الشيطان وشهود الزور وأهل العمى عن الصواب، وهم قدرية هذه الأمة ومجوسها.
ثم قال الإمام علي: إن الله أمر تخييرا، ونهى تحذيرا، وكلف يسيرا، لم يُعْصَ مغلوبًا ولم يُطَعْ مُكْرِهًا، ولم يرسل الرسل إلى خلقه عبثا، ولم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلا، ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار [2] .
(1) رواه أحمد في مسند عبد الله بن مسعود رقم (3928) .
(2) الفروق مع هوامشه للقرافي: ج 4 ص 391. تحقيق: خليل المنصور. دار الكتب العلمية - بيروت - الطبعة الأولى. 1418 هـ - 1998 م.