غير شيء أم هم الخالقون إلى قوله: {المصيطرون} [الطور: 35 37] كاد قلبي أن يطير، وذلك أول ما وقر الإِسلام في قلبي».
ومنهم من لم يسلم، روي عن محمد بن كعب القرظي قال: «أخبرت أن عتبة بن ربيعة كلّم النبي صلى الله عليه وسلم في كفّه عن سبِّ أصنامهم وتضليلهم، وعرض عليه أمورًا والنبي صلى الله عليه وسلم يسمع فلما فرغ قال له النبي صلى الله عليه وسلم: اسمع ما أقول، وقَرأ عليه {حم} [فصلت: 1] حتى بلغ قوله: {فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود} [فصلت: 13] فأمسك عتبة على فم النبي صلى الله عليه وسلم وناشده الرحِم أن يكفّ» أي عن القراءة. وأما المؤمن فلا تزال روعته وهيبته إياه مع تلاوته توليه انجذابا وتكسبه هشاشة لميل قلبه إليه، قال تعالى: {تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} .
يقول:"وإنما يبعث هذا اللين في القلوب ما في القرآن من معاني الرحمة وذلك في الآيات الموصوفة معانيها بالسهولة نحو قوله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر:53] ،والموصوفة معانيها بالرقة نحو {يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ} [الزخرف:68 ـ 69] " [1] .
ولا شك أن القلب اللين الخاشع المتضرع إلى الله أقرب إلى اجتماع الناس وحبهم للإنسان، وهذا ما خلق الله عليه رسوله صلى الله عليه وسلم، وبين ذلك وآثاره قائلا:"فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ". آل عمران: 159.
ونحن نعلم أحوال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع هذا القرآن؛ حيث كان يقيم به الليل ويتهجد به كما أمره الله تعالى، ويكرر الآيات مرارا لتتجدد معانيها في قلبه، وتُعْمل أثرها في نفسه، فيظهر ذلك على الجوارح فتسيل دموعه الشريفة حتى يؤذنه بلال ـ رضي الله عنه ـ بأذان الفجر، فعن عطاء، قال: دخلت أنا وعبيد بن عمير، على عائشة فقالت لعبيد بن عمير: قد آن لك أن تزورنا، فقال: أقول يا أمه كما قال الأول: زر غِبًّا تزدد حبا، قال: فقالت: دعونا من رطانتكم هذه، قال ابن عمير: أخبرينا بأعجب شيء رأيته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فسكتت ثم قالت: لما كان ليلة من الليالي، قال: «يا عائشة ذريني أتعبد
(1) التحرير والتنوير: 24/ 70 - 71.