ونحن نعلم أن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ وجد ما وجد، عندما سمع قارئًا يقرأ: {والطور، وكتاب مسطور، في رق منشور، والبيت المعمور، والسقف المرفوع، والبحر المسجور، إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع} . الطور: 1 - 8. فارتكن إلى الجدار. ثم عاد إلى بيته يعوده الناس شهرًا مما ألم به!
وإنه لتمر بالمسلم لحظات يكون فيها الكيان الإنساني متفتحًا لتلقي شيء من حقيقة القرآن وأنواره فيهتز قلبه ويرتجف فؤاده ويرتعش بدنه ويقع فيه من التغيرات والمشاعر ما لا يتذوقه إلا من أحس دبيب هذا القرآن في كيانه وقلبه وروحه.
وقال تعالى:"ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ". البقرة: 74.
وقال تعالى:"اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ". الزمر: 23.
ومن صفات المؤمنين أصحاب القلوب الوجلة اللينة أنهم يزدادون إيمانا بسماع القرآن، كما حكى الله عن صفاتهم في أول سورة الأنفال فقال:"إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ". الأنفال: 2. وقال تعالى:"وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ". التوبة: 124.
وكان أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا قرئ عليهم القرآن كما نعتهم الله تدمَع أعينهم وتقشعرّ جلودهم. وخص القشعريرة بالذين يخشون ربهم باعتبار ما سيردف به من قوله: {ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم} كما يأتي، قال عياض: «وهي، أي الروعة التي تلحق قلوب سامعيه عند سماعه، على المكذبين به أعظم حتى كانوا يستثقلون سماعه كما قال تعالى: {وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولَّوا على أدبارهم نفورًا} الإسراء: 46.
وهذه الروعة ـ كما يقول الطاهر ابن عاشور في تفسيره ـ قد اعْترت جماعة قبل الإِسلام، فمنهم من أسلم لها لأولِ وهلة. حُكي في الحديث الصحيح عن جبير بن مطعم قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور فلما بلغ قوله تعالى: أم خُلقوا من