اقتصادة عالمية، متواصل التفاعل ومتعاظم تبادل التبعية، لم يكن موجودة في تلك
الأيام.
وهكذا فإن براعة أسيا الاقتصادية المثيرة للإعجاب إحصائية بين بقيت معزولة، لم تنعكس، في غابر الأزمان، على الخارج. ففي العقود الأولى من القرن الخامس عشر، وقع اختيار الصين على نوع من الخطة القائمة على الانعزال الذاتي المفروض بقوة، بل وأحجمت من قبل عن استغلال التفوق التكنولوجي الاسطولها التجاري وقوتها البحرية المحيطية لتأكيد نوع من الحضور السياسي كذلك كانت الهند في ظل الإمبراطورية المغولية متوفرة على ثروة هائلة، ولكنها بقيت مفتقرة إلى التماسك السياسي أو الطموحات الخارجية، لعل الحالة المهمة الوحيدة لعملية تأكيد الذات المتطلعة نحو الغرب من جانب قوة سياسية آسيوية معينة حتى تلك التي تمت بقيادة جنكيز خان المغولي، الذي تمكن مقاتلوه الفرسان من اجتراح إمبراطورية أوراسية مترامية الأطراف، بالغة الإتساع. غير أن هؤلاء كانوا خارجين وهم على ظهور جيادهم من بلد ذي ناتج قومي إجمالي يكاد لا بذكر - مما سلط الضوء على حقيقة أن براعة تلك الزمن العسكرية ثم تكن تتأثر سلبا أو تتعرض للشلل من جراء الضعف الاقتصادي.
لم يقف ارتقاء ثلاث قوى آسيوية - اليابان والصين والهند - إلى مرتبة التفوق العالمي عند حدود إحداث تغيير مسرحي مثير في التراتب العالمي للقوة وحسب بل وأدى أيضا إلى تسليط الضوء على تشتت القوة الجيوسياسية. فبروز هذه
الدول الآسيوية بوصفها اطرافة سياسية - اقتصادية ذات شان ل مر بالتحديد: إلا ظاهرة تخص ما بعد الحرب العالمية الثانية، لأن أيا منها لم تكن قادرة على
توظيف تفوقها السكاني حتى النصف الثاني من القرن العشرين. من المعروف أن التلميحات إلى بروز آسيا على المسرح الدولي بدأت تظهر للمرة الأولى مع الصعود الوجيز لليابان بوصفها قوة عسكرية كبرى في أعقاب انتصارها في الحرب الروسية - اليابانية سنة 1905. غير أن ذلك النصر غير المتوقع كان