أما بعد عشرين سنة فمن غير المحتمل أن يبرز الاتحاد الأوروبي قريبة لاعبة عالمية جدية على الصعيد السياسي، في حين أن مكانة أمريكا العالمية المتفوقة تبدو هزيلة، ولأن الغرب، بمجمله، هو الآن أقل قدرة على التحرك بتناغم، فإن ميراثه السياسي المتواصل بات، إذن، موضع شك. لمرة واحدة عبر الأزمان، بدا، ولو على نحو وجيز، كما لو أن ديمقراطية شاملة للعالم، سلما بولية بلي وتلاحمة اجتماعية متزايدة بل حتى مربحة، من شأنها أن تكون تقدمة الغرب الدائمة إلى البشرية. غير أن تغييرات أساسية في توزع القوة العالمية، وصدمة الظاهرة الجديدة المتمثلة باليقظة السياسية العالمية على صعيد ممارسة تلك القوة، وجملة العواقب السلبية المترتبة على مبادرات سياسة خارجية أقدمت عليها الولايات المتحدة مع شكوك متنامية حول حيوية النظام الأمريكي، ساهمت تراكمية في إلقاء ظلال من الشك على ذلك الميراث المنطوي على قدر أكبر من
الأملي.
ليس مفهوم قوة مهيمنة عالمية إلا تطورة تاريخية جديدة. فعلى امتداد آلاف السنين، ظل الناس يعيشون في جماعات معزولة، غير واعية لوجود جاراتها الأبعد، أما الهجرات والصدامات الطارئة مع الغرباء فلم تتم إلا في إطار جهل كلي للعلم بمجمله. فقط خلال القرون الثمانية الأخيرة أو نحوها صار الوعي، الضبابي بداية، لوجود"آخرين بعيدين متسللا إلى وجدان البشر، عبر بعثات ورسم خرائط الأمكنة غير معروفة من قبل أولا، ثم من خلال الاستعمار والاستيطان والهجرات الكبرى. ومع مرور الزمن، ما لبثت تلك المعرفة أن أفضت إلى منافسات امبريالية، تمخضت بدورها عن حربين مدمرتين من أجل الهيمنة على العالم، وصولا آخر المطاف إلى مجابهة الحرب الباردة المنهجية عالمية. وفي الأيام الأخيرة أضفي استكشاف الفضاء ثوبة درامية مثيرة على التقدير الجديد المدى"الصفر"النسبي للأرض مع نجاح الصور الملتقطة ليلا من الفضاء الخارجي في إبراز التعارض الصارخ بين مراكز البشرية المدينية المضاءة -"