في الواقع، أسهمت الانتماءات المتعددة لتركيا في تعزيز وضعها على المستويين الإقليمي والعالمي؛ فقد منح موقعها الجغرافي هويات متنوعة لشعبها ومجتمعها؛ فهي تنتمي إلى العالم الإسلامي، والشرق الأوسط والعالم التركي الممتد باتجاء آسيا الوسطى والقوقاز، كما تنتمي إلى أوروبا. وكان هذا التنوع الطبيعي انعكاسات واسعة على صورة الدولة؛ إذ أسهم ذلك كله، إلى جانب النمو الاقتصادي وتنامي دورها، في خلق صورة عن نفسها بأنها"نموذج"للمنطقة. وفي ظل حكم حزب العدالة والتنمية، فقد سعى إلى أن تكون تجربته نموذجا أيضا، فعلى الرغم من أن له جذورة في الحركة الإسلامية السياسية في تركيا، فإنه نجح في تطوير أيديولوجيا و برنامج جديدين، واستطاع ممارسة السياسة في ظل القيود العلمانية الصارمة للنظام القانوني والسياسي التركي. وعلى الرغم من علاقاته المتينة مع الغرب ودعمه حصول تركيا على العضوية الكاملة للاتحاد الأوروبي، فإنه عمل على إعادة توجيه تركيا نحو جوارها؛ أي نحو العالم الإسلامي، حيث يمكنها أن تؤدي فيه دورا فاع و مؤثرة أيضا. (15)
ويسعى حزب العدالة والتنمية إلى استغلال علاقاته التاريخية والدينية مع المشرق العربي كأداة قوة ناعمة؛ فوفقا لنظرته العالمية، يرى الحزب أن لتركيا مسؤولية تجاه المناطق التي كانت ضمن الدولة العثمانية، وأنها أهملت إلى حد كبير العلاقات مع دول تشكلت من مناطق وولايات عنيائية سابقة، وهي اليوم بحاجة إلى أن تقوم بدور أكير هناك. (16)
ولكي يكون دور تركيا فعالا ومرحبا به خارجيا، كان لا بد من تحقيق نجاحات اقتصادية داخلية ملموسة تضفي مصداقية على خطاب التنمية الاقتصادية والازدهار الذي تسعى إلى تحقيقها إقليمية. فعلى الرغم من الأزمة الاقتصادية الحادة التي