الفصل الثالث
اختبار الرؤية الاستراتيجية التركية في بيئة مضطربة
بدت السنوات العشر الأولى من القرن الحالي ملائمة لرواج المفاهيم الاستراتيجية والسياسات التي تعبر عن طموحات تركية بتبوأ مكانة إقليمية ودولية، وبالفعل، فقد أسفرت تلك الفترة عن تكريس الديمقراطية وتعزيز الحريات وتحقيق معدلات نمو في الاقتصاد فاقت التوقعات داخلية، وتصاعد دور تركيا الفاعل ونفوذها إقليمية، وتعزز حضورها السياسي والاقتصادي دولية. وبدا من الصعب دحض الأطروحات الفكرية الجيوبولتيكية التي عبر عنها أحمد داود أوغلو في كتابه الأكاديمي قبل توليه أي مسؤولية، ثم ظل يعبر عنها طوال السنوات العشر التالية في مقالاته وتصريحاته في ظل مسؤولياته الرسمية. فالظروف - بالنسبة إلى تركيا - مواثية، ولا توجد تحديات غير تقليدية؛ فالمنطقة المجاورة المملوءة بالاضطرابات المعتادة، لم تظهر فيها ترکيا بوصفها طرفا في المشكلات، بل سعت إلى أن تكون جزءا من الحل. وجنت بذلك ثمار وساطاتها بين الأطراف المتنازعة، حيث عززت حضورها الدبلوماسي والسياسي والاقتصادي في الشرق الأوسط واستغلت نجاحاتها تلك في إضفاء نوع من المصداقية على المصطلحات التي تؤيد أطروحاتها الفكرية؛ مثل"الدولة المركزية"و"النموذج"و"الوسيط"و"مروج السلام"، حتى كادت تصل إلى التبشير ب"حقية السلام التركي"المستقبلي في الجوار.
ابتداء من عام 2011، بدا الانخراط التركي في مناطق الحوار يتطلب دورة حاميا، وفقد دور القوة الناعمة كثيرا من زخمه، وتعرض الاستشعار التركي السياسي