لم يعرف بين قومه إلا بالأمين لما شاهدوا من طهارته وصدق حديثه وأمانته حتى إنه لما بنت قريش الكعبة في سنة خمس وثلاثين من عمره فوصلوا إلى موضع الحجر الأسود اشتجروا فيمن يضع الحجر موضعه فقالت كل قبيلة نحن نضعه ثم اتفقوا على أن يضعه أول داخل عليهم وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا جاء الأمين فرضوا به فأمر بثوب فوضع الحجر في وسطه وأمر كل قبيلة أن ترفع بجانب من جوانب الثوب ثم أخذ الحجر فوضعه موضعه - صلى الله عليه وسلم - [1] .
سبب هذا البنيان:-
قال ابن إسحاق: فلما بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خمسا وثلاثين سنة اجتمعت قريش لبنيان الكعبة وكانوا يهمون بذلك ليسقفوها ويهابون هدمها وإنما كانت رضما فوق القامة فأرادوا رفعها وتسقيفها وذلك أن نفرا سرقوا كنزا للكعبة وإنما كان يكون في بئر في جوف الكعبة وكان الذي وجد عنده الكنر دويكا مولى لبني مليح بن عمرو من خزاعة.
قال ابن هشام: فقطعت قريش يده، وتزعم قريش أن الذين سرقوه وضعوه عند دويك وكان البحر قد رمى بسفينة إلى جده لرجل من تجار الروم فتحطمت فأخذوا خشبها فأعدوه لتسقيفها وكان بمكة رجل قبطي نجار فتهيأ لهم في أنفسهم بعض ما يصلحه وكانت حية تخرج من بئر الكعبة التي كان يطرح فيها ما يهدى لها كل يوم فتتشرق على جدار الكعبة وكانت مما يهابون وذلك أنه كان لا يدنو منها أحد إلا اجزألت وكشت وفتحت فاها وكانوا يهابونها فبينما هي ذات يوم تتشرق على جدار الكعبة كما كانت تصنع بعث الله إليها طائرا فاختطفها فذهب بها فقالت قريش إنا لنرجو أن يكون الله قد رضي ما اردنا عندنا عامل رفيق وعندنا خشب وقد كفانا الله الحية.
أبو وهب خال أبي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما حدث له عند بناء الكعبة:-
فلما أجمعوا امرهم في هدمها وبنائها قام أبو وهب بن عمرو ابن عائذ بن عبد بن عمران بن مخزوم.
قال ابن هشام: عائذ بن عمران بن مخزوم فتناول من الكعبة حجرا فوثب من يده حتى رجع إلى موضعه فقال يا معشر قريش لا تدخلوا في بنائها من كسبكم إلا طيبا لا يدخل فيها مهر بغي ولا بيع ربا ولا مظلمة أحد من الناس والناس ينحلون هذا الكلام الوليد بن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم.
قال ابن إسحاق: وقد حدثني عبدالله بن ابي نجيح المكي أنه حدث عن عبدالله بن صفوان بن أمية بن خلف بن وهب بن حذافة ابن جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي أنه رأى ابنا لجعدة بن هبيرة بن ابي وهب بن عمرو يطوف بالبيت فسئل عنه فقيل هذا ابن لجعدة بن هبيرة فقال عبد الله بن صفوان عند ذلك جد هذا يعني أبا وهب الذي أخذ حجرا من الكعبة حين أجمعت قريش لهدمها فوثب من يده حتى رجع إلى موضعه فقال عند ذلك يا معشر قريش لا تدخلوا في بنائها من كسبكم إلا طيبا، ا تدخلوا فيها مهر بغي ولا بيع ربا ولا مظلمة أحد من الناس، ثم إن قريشا تجزأت الكعبة فكان شق الباب لبني عبد مناف وزهرة وكان ما بين الركن الأسود والركن اليماني لبني مخزوم وقبائل من قريش انضموا إليهم وكان ظهر الكعبة لبني جمح وسهم ابني عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي وكان شق الحجر لبني عبد الدار بن قصي ولبني أسد بن عبد العزى بن قصي ولبني عدي بن كعب بن لؤي وهو الحطيم. ثم
(1) (فصول من السيرة 1/ 83) .