وأغراض سامية، وغايات محمودة، يعتز بها المجتمع الإنساني في كل زمان ومكان، فقد صارت الحرب جهادًا في تخليص الإنسان من نظام القهر والعدوان، إلى نظام العدالة والنَّصَف، من نظام يأكل فيه القوي الضعيف، إلى نظام يصير فيه القوي ضعيفًا حتى يؤخذ منه.
وصارت جهادًا في تخليص {الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا} [1] . وصارت جهادًا في تطهير أرض اللّه من الغدر والخيانة والإثم والعدوان، إلى بسط الأمن والسلامة والرأفة والرحمة ومراعاة الحقوق والمروءة.
كما شرع للحروب قواعد شريفة ألزم التقيد بها على جنوده وقوادها، ولم يسمح لهم الخروج عنها بحال. روي سليمان بن بريدة عن أبيه قال: كان رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - إذا أمر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوي اللّه عز وجل، ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: (( اغزوا بسم اللّه، في سبيل اللّه، قاتلوا من كفر باللّه، اغزوا، فلا تغلوا، ولاتغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا. . ) ). الحديث. وكان يأمر بالتيسير ويقول: (( يسروا ولا تعسروا، وسكنوا ولا تنفروا ) ).
وكان إذا جاء قومًا بِلَيْل لم يُغِرْ عليهم حتى يُصبِح، ونهي أشد النهي عن التحريق في النار، ونهي عن قتل الصبر، وقتل النساء وضربهن، ونهي عن النهب حتى قال: (( إن النُّهْبَى ليست بأحل من الميتة ) )، ونهي عن إهلاك الحرث والنسل وقطع الأشجار إلا إذا اشتدت إليها الحاجة، ولا يبقي سواه سبيل. وقال عند فتح مكة: (( لا تجهزن على جريح، ولا تتبعن مدبرًا، ولا تقتلن أسيرًا ) )، وأمضى السنة بأن السفير لا يقتل، وشدد في النهي عن قتل المعاهدين حتى قال: (( من قتل معاهدًا لم يُرِحْ رائحة الجنة، وإن ريحها لتوجد من مسيرة أربعين عامًا ) )، إلى غير ذلك من القواعد النبيلة التي طهرت الحروب من أدران الجاهلية حتى جعلتها جهادًا مقدسًا [2] .
(1) (النساء: 75) .
(2) (الكل: الرحيق المختوم: 444 - 445 - 446) .