بنو سالم فقالوا: يا رسول الله أقم عندنا في العدد والعزة والمنعة فقال لهم خيرا وقال: (( خلوا سبيلها ) )يعنى ناقته (( دعوها فإنها مأمورة ) )وهو يتبسم ويقول (( بارك الله عليكم ) )فانطلقت حتى وردت دار بنى بياضة فسأله بنو بياضة بمثل ما تقدم وأجابهم بأنها مأمورة خلوا سبيلها فانطلقت حتى وردت دار بنى ساعدة فسأله بنو ساعدة بمثل ذلك وأجابهم بخلوا سبيلها فأنها مأمورة فانطلقت حتى مرت بدار عدى بن النجار وهم أخواله - صلى الله عليه وسلم - أى أخوال جده عبد المطلب أى بأوائل دورهم فسأله بنو عدى بن النجار بمثل ما تقدم أى وفى رواية أنهم قالوا له نحن أخوالك هلم إلى العدة والمنعة والعزة مع القرابة لا تجاوزنا إلى غيرنا يا رسول الله وأجابهم بأنها مأمورة فانطلقت حتى بركت في محل من محلات بنى النجار وذلك في محل المسجد وذلك عند دار بنى مالك بن النجار وعند باب أبى أيوب الأنصارى فلم ينزل عنها - صلى الله عليه وسلم - ثم وثبت وسارت غير بعيد ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - واضع لها زمامها ثم التفتت خلفها ورجعت إلى مبركها فبركت فيه وتجلجلت ووضعت باطن عنقها من المذبح إلى المنحر وصوتت من غير أن تفتح فاها فنزل عنها - صلى الله عليه وسلم - وقال: (( رب أنزلنى منزلا مباركا وأنت خير المنزلين ) )أربع مرات. وأخذه - صلى الله عليه وسلم - الذى كان يأخذه عند الوحى أى وسرى عنه وقال هذا إن شاء الله يكون المنزل وأمر أن يحط رحله وفى لفظ أن أبا أيوب قال له ائذن لى أن أنقل رحلك فأذن له واحتمل أبو أيوب رحله فوضعه في بيته وجاء أسعد بن زرارة فأخذ بزمام راحلته فكانت عنده وذكر بعضهم أن أبا أيوب لما نقل رحله أناخ الناقة في منزله وقد يقال لا مخالفة لجواز أن يكون أسعد أخذ بزمامها بعد ذلك فكانت عنده.
وعن أبى أيوب رضى الله تعالى عنه لما قدم النبى - صلى الله عليه وسلم - المدينة اقترعت الأنصار أيهم يأويه فقرعتهم الحديث وقد يقال مراده بالأنصار أهل تلك المحلة التى بركت فيها الناقة.
وجاء أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: (( خير دور الأنصار بنو النجار ثم بنو عبد الأشهل ثم بنو الحارث ثم بنو ساعدة وفى كل دور الأنصار خير ) ) [1] .
بناء المسجد النبوي:-
قال ابن عمر كان بناء المسجد على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسقفه جريد وعمده خشب النخل.
عن عكرمة أن ابن عباس قال له ولعلي بن عبد الله: ائتيا أبا سعيد فاسمعا من حديثه فأتيناه وهو وأخوه في حائط لهما يسقيانه فلما رآنا جاء فاحتبى وجلس فقال كنا ننقل لبن المسجد لبنة لبنة وكان عمار ينقل لبنتين لبنتين فمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - ومسح عن رأسه الغبار وقال: (( ويح عمار تقتله الفئة الباغية عمار يدعوهم إلى الله ويدعونه إلى النار ) ) [2] . وفي هذا الحديث يشير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أمر حدث بعد تسعة وثلاثون عامًا ولا عجب فهو الذي لا ينطق عن الهوى صلوات ربي وسلامه عليه.
وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعمل معهم وكان الصحابة يقولون لإن جلسنا والنبي - صلى الله عليه وسلم - يعمل فهو عار الدهر، وكان
(1) (السيرة الحلبية باختصار 2/ 243 - 244) .
(2) (أخرجه البخاري في الجهاد رقم 2657) .