2 -نبوة محمد. ص 68-نقلًا عن (اضمحلال الإمبراطورية الرومانية) 3 - المرجع السابق.
3 -مرحلة القرن التاسع عشر
وفى هذا القرن نشأت تحولات كبرى في العلاقات بين العالمين الإسلامى والغربى، ففيما يخص النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - من هذا التحول؛ أن أغلبية الدارسين لشخصيته - صلى الله عليه وسلم - في هذا القرن كانوا يميلون إلى الحكم بصدقه في دعواه (الاتصال بالملأ الأعلى) ، ولكنهم حاولوا نفى كونه نبيًا حقيقيًا، ومعنى ذلك أنهم لم يتجاوزوا بالصدق الذي قصدوه الصدق النفسي، الذي ليس فيه إلا التأكيد على نفى ضد الصدق عن النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - وهو الكذب.
والحقيقة أن تقرير الكثير من المستشرقين في هذا القرن لصدق النبي محمد النفسي كان نتيجة طبيعية لبحثهم في حياته الشخصية وسير دعوته، وهو الأمر الذي نشأت عنه صورة جليلة للنبي محمد - صلى الله عليه وسلم - لم يكن لهم بعد ثبوتها مهرب من تأكيد أحد شيئين:
أ- إما صدقه في ادعائه النبوة. ... ب- وإما تفسير التناقض الحاصل بين سمو سيرته والقول بكذبه في الوقت نفسه.
وقد اختار الفكر الاستشراقى في القرن التاسع عشر الحل غير الملزم له من الناحية العقدية، فقال جمهور مستشرقيه بصدق النبي - صلى الله عليه وسلم - النفسي. والملاحظ أنهم وقفوا في بحثهم لهذه المسألة في منتصف الطريق بين الآراء الغربية القروسطية في شخصية النبي - صلى الله عليه وسلم - والتي كانت لاترى فيه أكثر من شخص مدّع، وبين آراء بعض المستشرقين المعاصرين الذين أثبتوا النبوة لمحمد - صلى الله عليه وسلم -. ويعود هذا الموقف الوسط الذي وقفه دارسو القرن الذي نبحثه إلى أن دراساتهم قد فرضت عليهم القول بصدق النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولكن ارتباطهم العقدي بالمسيحية لم يسمح لهم بالذهاب إلى أبعد من هذا الموقف، وإلا خرجوا عن أديانهم، وهو أمر لم يبدأ في الانتشار بين الغربيين إلا في القرن العشرين.
ويكفينا للدليل على أن تطور الدراسات في السيرة هو السبب في هذه النقلة، أن ننظر في بعض النصوص التي كتبها المستشرقين عن شخصية النبى - صلى الله عليه وسلم -. إذ قال (كارليل) :"من العار أن يصغي أي إنسان من أبناء هذا الجيل إلى وهم القائلين: إن دين الإسلام كذب، وإن محمدًا لم يكن على حق. لقد آن لنا أن نحارب هذه الادعاءات السخيفة المخجلة، فالرسالة التي دعا إليها هذا النبي ظلت سراجًا منيرًا أربعة عشر قرنًا من الزمان لملايين كثيرة من الناس، فهل من المعقول أن تكون هذه الرسالة أكذوبة كاذب أو خديعة خادع؟ هل رأيتم رجلًا كاذبًا يستطيع أن يخلق دينًا ويتعهده بالنشر بهذه الصورة؟ إن الرجل الكاذب لايستطيع أن يبني بيتًا من الطوب لجهله"
بخصائص مواد البناء، وإذا بناه فما ذلك الذي يبنيه إلا كومة من أخلاط هذه المواد، فما بالك بالذي يبني بيتًا دعائمه هذه القرون العديدة، وتسكنه هذه الملايين الكثيرة ... وعلى ذلك فمن الخطأ أن نعد محمدًا رجلًا كاذبًا