الصفحة 38 من 211

الفصل الخامس: الأخلاق في الإسلام

لقد حدد رسول الإسلام - صلى الله عليه وسلم - الغاية الأولى من بعثته، والمنهاج المبين في دعوته بقوله:"إنما بُعِثتُ لأُتمَّمَ مكارمَ الأخلاقِ". (1)

فكأن الرسالة التى خطَّت مجراها في تاريخ الحياة، وبذل صاحبها جهدًا كبيرًا في مدّ شعاعها وجمع الناس حولها، لا تنشد أكثر من تدعيم فضائلهم، وإنارة آفاق الكمال أمام أعينهم، حتى يسعوا إليها على بصيرة.

وقد وجدنا ذلك في مقاصد العبادات فيما حثت عليه من النهى عن اللغو والرفث والسباب والفسوق، وترك الشهوات إلا في حدود ما أحل الله مع الإثابة عليها، ورأينا عند حديثنا عن العبادات، أن الصلاة والزكاة والصوم والحج قد اشتركت فيها تلك الخصال الحميدة، إما في شروطها وواجباتها، أو في الغاية من القيام بها.

وقد ظهر من هذه التعاليم أن الإسلام جاء لينتقل بالبشر خطوات فسيحات إلى حياة مشرقة بالفضائل والآداب، وأنه اعتبر المراحل المؤدية إلى هذا الهدف النبيل من صميم رسالته، كما أنه عد الإخلال بهذه الوسائل خروجًا عليه وابتعادًا عنه.

وقد أحصى الإسلام بعدئذ الفضائل كلها، وحث أتباعه على التمسك بها واحدة واحدة.، وكما أن التوراة قد اشتملت على وصايا الله لموسى - عليه السلام - في سفر الخروج، والإنجيل اشتمل على وصايا المسيح - عليه السلام - لبنى إسرائيل في متى ولوقا ورسالة بولس إلى رومية، فإن القرآن أيضًا قد ساق لنا كثيرًا من تلك الفضائل والوصايا، فقال الله - عز وجل - لرسوله محمد - صلى الله عليه وسلم: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ .. وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ .. وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} . (2)

وإذا تأملنا في تلك الآيات الثلاثة سنرى أن الله قد أوصانا بوصايا عشر، فيها تقرير لشمولية الإسلام، وإثبات أنه دين فيه صلاح العقيدة والعبادة والمعاملة والأخلاق، دين فيه صلاح الأفراد والأسر والمجتمعات، فالناظر في تلك الوصايا يتأمل تلك الشمولية، وهذه المنهجية، فيرى مدى عظمة هذا الدين، ففى الوصية الأولى: صلاح لجانب العقيدة متمثلة في عدم الشرك بالله الواحد الحق.---

1 -الموطَّأ ... 2 - ] الأنعام: 151 - 153 [.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت