لقد ورد فيما مضى كيف كان محمد قبل الإسلام وكيف أنه مُلقبٌ في قومه بالصادق الأمين، ورأينا كيف ارتضوه حكمًا في قضية وضع الحجر الأسود عند بناء الكعبة، وما اشتمل عليه من خصال كريمة بين قومه .. فها نحن نظهر بعض ما كان لمحمد من أخلاق حميدة اعترف له بها القاصى والدانى ووصفه به ربه في القرآن ولم يعترض عليها ولم ينكرها إلا من جهل محمدًا وما جاء به وما دعا إليه ... ولعل أول ما نبدأ به هو وصف الله لمحمد بقوله: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} . (1)
وحسب نبينا محمد رسول الله هذا الثناء العظيم من الرب العظيم: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} . (2) ، ولم لا وقد أدبه ربه فأحسن تأديبه، وعصمه من الفواحش والدنايا، وأكرمه بمحاسن الأخلاق وجميل الصفات، وارتضاه أسوة حسنة لعباده. ولما لا يتأسى به المسلمون وقد ذكرت عائشة حينما سُئلت عن خلق رسول الله فقالت:"كان خلقه القرآن". (3) ، ومعنى هذا: أنه امتثل القرآن أمرًا ونهيًا، فما أمره القرآن به فعله وما نهاه عنه تركه وتخلق بأخلاقه العظيمة. (4) ... ولما لا وهو القائل:"إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، وكان دائمًا يدعوا الله قائلًا:".. واهدنى لأحسن الأخلاق، لا يهدى لأحسنها إلا أنت، واصرف عنى سيئها لا يصرف عنى سيئها إلا أنت ...". (5)
وبذلك استحق أن يكون الأسوة الحسنة لجميع الناس على اختلاف مشاربهم، وما من أحد إلا ويجد في سيرته - صلى الله عليه وسلم - المثل الأعلى الذى يهتدى به في مناكب الحياة، يقول الأستاذ (سليمان الندوى) :
"إن حياة موسى - عليه السلام - تمثل لنا القوة البشرية العظيمة والبطش الشديد، ولكننا لا نعرف في المأثور عنه ما تكون لنا فيه الأسوة الحسنة من ناحية دماثة الخلق، وخفض الجناح، وسجاحة النفس وسماحتها ... وفيما نعرفه من حياة المسيح - عليه السلام - نماذج لسماحة النفس ورقة الطبع ودماثة الخلق ولين الجانب، لكننا لا نجد فيما وصل إلينا من أخلاقه وأعماله تفاصيل عن شؤون حياته وأسرته تحرك ساكن القُوى وتثير كوامن النفس وتنبه القُوى المتراخية، والإنسان في حياته محتاج إلى هذا وهذا، فكما يحتاج إلى ما يهدئ ثائرة قواه ويسكن جائشها يحتاج كذلك إلى ما يثير الكامن من هذه القوى ويهيج ساكنها وينبه المتراخى منها، إنه في حاجة إلى حياة يتخذها قدوة له في هاتين الحالتين المختلفتين، على أن يكون بيد صاحبها ميزان العدل بالقسط تستوى كفتاه، ولن تجد الجمع بين هاتين الخصلتين المختلفتين جمعًا قويمًا عزيز الوجود إلا في حياة محمد - صلى الله عليه وسلم -، فإنه هو الذى مثلت"
1 -] الآية 4 من سورة القلم [. 2 - ] الآية 21 من سورة الاحزاب [3 - تفسير القرآن العظيم 4 - مسلم 5 - مسلم.