أما عن (ديورانت) فقد كانت له رؤية أخرى قريبة شيئًا ما من ذلك التفسير الثانى ولكنه سرعان ما أبطلها، حيث إنه لم يدعِ كذب محمد، ولكنه حاول تفسير حالة محمد الجسدية عند تلقيه للوحى على أنها لا تتعدى نوبة من نوبات الصرع قد انتابته. فقال:"وكثيرًا ما كان يحدث أثناء هذه الرؤى أن يسقط على ---"
1 -نبوة محمد ص 461 - نقلًا عن (Mohamet prophet et H. d'Etat - P 217)
2 -... انجليزى، مدير مركز دراسات الشرق الأوسط، اشتغل بالأستاذية في عدد من الجامعات.
3 -نبوة محمد. ص 460 - نقلًا عن (دراسات في حضارة الإسلام. ص 234)
الأرض ويرتجف أو يغشى عليه، ويتصبب العرق من جبينه ... وقد يكون ارتجافه ناشئًا عن نوبات صرع ... ولكننا لا نسمع بأنه عض في خلالها لسانه أو حدث ارتخاء في عضلاته كما يحدث عادة في نوبات الصرع، وليس في تاريخ محمد ما يدل على انحطاط قوة العقل التى يؤدى إليها الصرع عادة، بل نراه على العكس يزداد ذهنه صفاء، ويزداد قدرة على التفكير وثقة بالنفس وقوة في الجسم والروح والزعامة كلما تقدمت به السن. وقصارى القول أنا لا نجد دليلًا قاطعًا على أن ما كان يحدث للنبى كان من قبيل الصرع". (1) ، وبالرغم من أن (ديورانت) لم يدع مجالًا للتعليق، حيث أبطل الإدعاء بنفسه، لكن نشير إلى أن نوبات الصرع التى ذكرها لم يكن لها مصدر في وثائق السيرة للنبى محمد، وقد سبق ذكر مراتب الوحى سابقًا، وكان (وات) له رد أيضًا على مثل هذا، حين قال:"إن محمدًا قد ميز بين ما يوحى إليه وبين أفكاره الخاصة، ولقد أكد أعداء الإسلام غالبًا أن محمدًا كان مصابًا بالصرع، وأن تجاربه الدينية لهذا لا قيمة لها، ولكن الأعراض الموصوفة لا تشبه أعراض الصرع؛ لأن هذا النقص يؤدى إلى تخاذل جسدى وعقلى بينما ظل محمد حتى آخر حياته مالكًا لقواه العقلية، وحتى لو أمكن ادعاء ذلك فإن الحجة تظل مناقضة لكل رأى سليم، إذ لم تقم إلا على الجهل والوهم؛ لأن المظاهر الجسدية الملازمة لا تثبت ولا تنفى قط بنفسها التجربة الدينية". (2) "
وبمقارنة بسيطة بين الصرع والوحى يتضح لنا أن:"الصرع يعطل الإدراك الإنسانى وينزل بالإنسان إلى مرتبة آلية يفقد أثناءها الشعور والحس، ويثور إذا اشتدت به النوبة فيصيب غيره بالأذى، وهو أثناء ذلك غائب عن صوابه، لا يدرك ما يصدر عنه ولا ما يحل به، أما الوحى فسمو روحى اختص الله به أنبياءه ليلقى إليهم بحقائق الكون اليقينية العليا كى يبلغوها الناس، وقد يصل العلم إلى إدراك بعض الحقائق ومعرفة سُننها وأسرارها بعد أجيال وقرون، وقد يظل بعضها لا يتناوله العلم حتى يرث الله الأرض ومن عليها". (3)
وفى هذا السياق لا ننسى أن نذكر الأستاذ (ابن نبى) (4) والذى بحث روايات بدء الوحى بحثًا جيدًا، واستنتج منها استقلال الظاهرة عن نفس النبى محمد - صلى الله عليه وسلم -. فقال:"ومن الواجب أن نذكر مدى التباعد الرئيسى البين في الحوار بين الذات المتكلمة الآمرة الحازمة، والذات المخاطبة المضطربة المجفلة - (ما أنا بقارئ) مثال"