على الإجفال- ... إن هذا التباعد يصور لنا عملية نفسية أخرى مختلفة تمامًا عن الأولى، ولكنها متحدة معها في الزمن، فإن هاتين الحالتين -أى التباعد الجوهرى والتباعد الزمنى- متعارضتان سواء تصورناهما في مجال واحد للذات، أو في مجالين مختلفين، هما: الشعور واللاشعور، فهناك بالضرورة تعدد في الذوات ... وهو تعدد لا يمكن أن تضمه وحدة نفسية، فنحن مضطرون لهذا أن نقرر ازدواج الذات كما يحدث في أى حوار عادى،
1 -نبوة محمد. ص 473 - نقلًا عن (قصة الحضارة 11/ 25،26) 2 - نبوة محمد. ص 474 - نقلًا عن (محمد في مكة/وات. ص 101)
3 -حياة محمد. ص 58
وبين هاتين الذواتين اللتين تتحاوران تنجلى الذات المحمدية كشاهد واع، ومؤرخ صادق للواقع الذى نحلله ... ومع ذلك فهذه هى المرة الوحيدة التى ستحدد فيها هذه الذات موقفها بالنسبة للظاهرة الغريبة". (3) "
ومن المعروف أن الاستقلال بين هاتين الذاتين -حسب تعبير الأستاذ (ابن نبى) - قد تجاوز لحظة الوحى الأولى، فكان حقيقة مصاحبة لنزول القرآن، أى مدة عشرين سنة كاملة. ومن ملامح ذلك نزول آيات كثيرة تلوم النبى محمد - صلى الله عليه وسلم - عن بعض المواقف الدعوية أو الشخصية التى وقفها، وهذا يؤكد عدم تحكمه في محتوى الوحى أو في زمانه، ومن أمثلته ما حدث حين حدد النبى محمد - صلى الله عليه وسلم - للمشركين وقتًا لإجابتهم عن سؤالهم -سؤال اليهود في الحقيقة- عن أصحاب الكهف وذى القرنين والروح، فتأخر نزول الوحى حتى تأثر النبى لذلك، ورجا نزول القرآن، ثم نزلت الإجابة وفيها تعليم وعتاب له، قال الله تعالى: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا .. إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا} . (1) ، وقال الله تعالى: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} . (2)
واستنادًا إلى مثل هذه المعلومات اليقينية قرر الأستاذ (ابن نبى) استمرار الانفصال بين الوحى والنبى محمد حتى نهاية رسالته، قال:"وسنجد فيما بعد، وإلى النهاية أن الذات المحمدية لن تتحدث مع الذات المتكلمة حين تخاطبها. وهذا الصمت في ذاته جدير بالملاحظة؛ لأنه يسجل إدراك الرسول النهائى أمام الظاهرة التى سيقف منها، منذ ذلك الحين، موقف التسليم". (3)
وبعد التعرض لظاهرة الوحى وما حوته من انتقادات وتحليلات وردود، نجد فيما سبق أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - بشهادة المشككين- كان صادقًا في اعتقاداته، وأن ما جاء به لا يعدو كونه وحيًا قد أوحى به الله إليه، وأن ادعاءاتهم لم تستند إلى أى سند علمى أو وثائقى، وربما يتضح ذلك في دفع (وات) لصحة التفسير الأول كما أسلفنا، ولعل في الصفحات التالية التأكيد على ما سقناه في السابق.